
تقرير: النظام الإيراني وافتعال الصراعات الخارجية كآلية للتغطية على الفشل الداخلي
تشير المعطيات السياسية والاقتصادية الحديثة إلى وجود علاقة وثيقة بين تصاعد السياسات الخارجية التصعيدية للنظام الإيراني وبين تفاقم أزماته الداخلية، حيث يُنظر إلى هذه السياسات كأداة لإعادة توجيه الرأي العام الداخلي بعيداً عن الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. ويعكس هذا السلوك نمطاً متكرراً في الأنظمة التي تواجه أزمات داخلية عميقة، فتسعى إلى خلق أو تضخيم تهديدات خارجية لتوحيد الداخل وتبرير الإخفاقات.
أولاً: أزمة اقتصادية خانقة بالأرقام
يعاني الاقتصاد الإيراني من واحدة من أسوأ أزماته في العقود الأخيرة. فقد بلغ معدل التضخم السنوي نحو 48.6% في أكتوبر 2025، مع استمرار المستويات المرتفعة حتى نهاية العام ، بينما تشير بيانات أخرى إلى أن التضخم السنوي وصل إلى أكثر من 60% على أساس سنوي خلال بعض الفترات بين 2024 و2025 .
ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، إذ وصلت نسبة تضخم الغذاء إلى نحو 90% خلال 2025-2026، ما يضع البلاد على حافة “تضخم مفرط” في السلع الأساسية . كما تشير التقديرات إلى أن ما بين 22% و50% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وهو ارتفاع كبير مقارنة بالسنوات السابقة .
أما على مستوى العملة، فقد انهار الريال الإيراني إلى مستويات قياسية، مقابل الدولار ، مع فقدانه نصف قيمته خلال ستة أشهر فقط . ويُعد هذا الانهيار مؤشراً واضحاً على فقدان الثقة في الاقتصاد المحلي.
ثانياً: بطالة وتدهور اجتماعي
تشير التقديرات إلى أن معدل البطالة يتراوح بين 7.5% إلى أكثر من 9%، أي ما يعادل نحو 2 إلى 2.5 مليون عاطل عن العمل . لكن الأرقام الرسمية قد لا تعكس الواقع بالكامل، إذ تشير تقارير داخلية إلى أن نحو 50% من الرجال بين 25 و40 عاماً خارج سوق العمل فعلياً .
كما أظهرت بيانات رسمية أن 57% من الإيرانيين يعانون من شكل من أشكال سوء التغذية، وهو مؤشر خطير على التدهور المعيشي . ويعكس ذلك اتساع الفجوة بين النظام والمجتمع، وتراجع القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.
ثالثاً: احتجاجات شعبية غير مسبوقة
أدت هذه الأوضاع إلى اندلاع احتجاجات واسعة النطاق تُعد الأكبر منذ عقود. فقد شهدت البلاد منذ نهاية 2025 موجة احتجاجات امتدت إلى أكثر من 200 مدينة، بمشاركة تُقدّر بنحو 5 ملايين شخص .
وأسفرت هذه الاحتجاجات عن أرقام صادمة، حيث تشير التقديرات إلى سقوط ما بين 7 آلاف إلى أكثر من 36 ألف قتيل، إضافة إلى مئات الآلاف من الجرحى (حتى 360 ألفاً)، واعتقال أكثر من 53 ألف شخص .
وتحوّلت هذه الاحتجاجات من مطالب اقتصادية إلى شعارات سياسية مباشرة ضد النظام، وهذا مايدل على عمق الأزمة وفقدان الثقة الشعبية.
رابعاً: ربط التصعيد الخارجي بالأزمات الداخلية
في ظل هذا المشهد الداخلي المتأزم، يلاحظ تصاعد واضح في السياسات الخارجية الإيرانية، سواء عبر التوترات الإقليمية أو الانخراط في صراعات مباشرة وغير مباشرة. ويُنظر إلى هذا التصعيد كوسيلة لتحقيق عدة أهداف، أهمها تحويل الأنظار، إذ يسهم خلق عدو خارجي في إعادة توجيه الرأي العام بعيداً عن الأزمات الداخلية، وتعزيز التماسك الداخلي عبر استدعاء خطاب “الخطر الخارجي” لتبرير الإجراءات الأمنية،وكذلك تأجيل الاستحقاقات الداخلية: مثل الإصلاحات الاقتصادية أو السياسية.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن فقدان الثقة في الدولة وتراجع الأداء الاقتصادي بعد “إخفاقات خارجية” ساهم في زيادة الضغط الداخلي على النظام .
خامساً: الاقتصاد كضحية للسياسات الخارجية
المفارقة أن هذه السياسات الخارجية نفسها تُفاقم الأزمة الداخلية. فقد أدت التوترات والصراعات إلى، فرض عقوبات دولية حدّت من صادرات النفط وتراجع الاستثمارات الأجنبية، وانكماش الاقتصاد بنسبة وصلت إلى -0.6% في بعض الفترات، وكذلك نمو اقتصادي ضعيف لا يتجاوز 0.6% وفق تقديرات صندوق النقد الدولي .
كما ساهمت هذه السياسات في عزل إيران اقتصادياً وتقويض اندماجها في الاقتصاد العالمي، ما أدى إلى خسائر طويلة الأمد في الناتج والاستثمار .
في ضوء هذه المؤشرات، يتضح أن النظام الإيراني يواجه أزمة داخلية مركبة تشمل الاقتصاد والمجتمع والسياسة، وأن تصعيده الخارجي لا يمكن فصله عن محاولاته لاحتواء هذه الأزمات، غير أن هذا النهج يبدو ذا أثر عكسي، إذ يؤدي إلى تعميق العزلة الدولية وتفاقم الضغوط الاقتصادية، ما يخلق حلقة مفرغة من الأزمات الداخلية والتوترات الخارجية.
وبالتالي، فإن استمرار هذا النمط قد يهدد استقرار النظام ذاته، خاصة في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات وتدهور الأوضاع المعيشية، ما يجعل من “تصدير الأزمات” استراتيجية قصيرة الأجل في مواجهة تحديات بنيوية عميقة.




