أهم الأخبارتقارير

تآكل العمود الفقري للاقتصاد الإيراني: كيف تدفع السياسات الاقتصادية الطبقة الوسطى نحو الهشاشة

 

 

تمثّل الطبقة الوسطى في إيران تاريخيًا أحد أهم أعمدة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، حيث لعبت دورًا محوريًا في دعم النشاط الإنتاجي والاستهلاكي، وساهمت في الحفاظ على التوازن داخل المجتمع.

إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا واضحًا في أوضاع هذه الفئة، نتيجة مزيج معقد من السياسات الاقتصادية الداخلية، والتحديات الهيكلية، وارتفاع تكاليف المعيشة بوتيرة تفوق نمو الدخول.

ولم يعد هذا التراجع مجرد ظاهرة اجتماعية، بل تحول إلى مؤشر اقتصادي يعكس اختلالات عميقة داخل بنية الاقتصاد الإيراني.

تعود جذور الأزمة إلى سنوات طويلة من السياسات المالية والنقدية التي اتسمت بعدم الاستقرار، إلى جانب تأثير العقوبات الاقتصادية التي أدت إلى تقييد تدفقات الاستثمار والتجارة.

ومع تفاقم الضغوط خلال السنوات الأخيرة، تراجعت القدرة الشرائية للأسر بشكل ملحوظ، في ظل ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية.

فقد شهد الاقتصاد الإيراني موجات تضخمية متتالية، تجاوزت في بعض الفترات 50%، ما أدى إلى تآكل سريع في قيمة الدخول، خاصة لدى الفئات التي تعتمد على رواتب ثابتة.

انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على الطبقة الوسطى، التي وجدت نفسها غير قادرة على مواكبة الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، بما في ذلك الغذاء والإسكان والخدمات.

ومع ثبات الأجور أو زيادتها بمعدلات أقل بكثير من التضخم، تراجعت القدرة على الادخار، واضطرت العديد من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها نحو تلبية الاحتياجات الأساسية فقط، على حساب التعليم أو الرعاية الصحية أو تحسين مستوى المعيشة.

تلعب السياسات الضريبية دورًا مهمًا في تعميق هذه الأزمة، إذ تميل الحكومة إلى الاعتماد بشكل أكبر على الضرائب غير المباشرة، التي تُفرض على الاستهلاك، ما يزيد العبء على الطبقة الوسطى مقارنة بالفئات الأعلى دخلًا.

وفي المقابل، لا تزال آليات فرض الضرائب التصاعدية على الثروة والدخل محدودة التأثير، ما يساهم في اتساع فجوة الدخل داخل المجتمع.

هذا الخلل في توزيع الأعباء الضريبية يعزز من تآكل الطبقة الوسطى ويضعف قدرتها على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية.

كما أن سياسات الدعم شهدت تحولات كبيرة خلال السنوات الماضية، حيث تم تقليص الدعم على الطاقة وبعض السلع الأساسية في إطار محاولات ضبط المالية العامة.

ورغم أن هذه الإجراءات قد تُبرر من منظور اقتصادي، فإن آثارها كانت مباشرة وقاسية على الطبقة الوسطى، التي لا تستفيد بشكل كافٍ من برامج الدعم الموجهة للفئات الأكثر فقرًا، وفي الوقت نفسه لا تملك القدرة على تحمل الزيادات المتتالية في الأسعار.

من ناحية أخرى، ساهمت التغيرات في سوق العمل الإيراني في زيادة الضغوط على هذه الفئة، فقد أدت حالة عدم اليقين الاقتصادي إلى تراجع فرص العمل المستقرة، وارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب والخريجين.

كما أن ضعف الاستثمار في القطاعات الإنتاجية حدّ من خلق وظائف ذات جودة، ما دفع جزءًا من الطبقة الوسطى إلى العمل في وظائف غير مستقرة أو منخفضة الدخل، هذا التحول أضعف من الأمان الاقتصادي للأسر، وزاد من هشاشتها.

تنعكس هذه التحديات في سلوك الأسر الإيرانية، حيث ارتفعت معدلات الاعتماد على الاقتراض لتغطية النفقات اليومية، في ظل تراجع الادخار بشكل ملحوظ.

كما شهدت البلاد زيادة في توجه الكفاءات العلمية والمهنية نحو الهجرة، بحثًا عن فرص أفضل واستقرار اقتصادي أكبر، ما يمثل خسارة إضافية للاقتصاد المحلي ويزيد من تعقيد الأزمة.

تعكس معاناة الطبقة الوسطى في إيران نتيجة مباشرة لتفاعل معقد بين السياسات الاقتصادية والظروف الداخلية، حيث أدت اختيارات مالية وهيكلية إلى تحميل هذه الفئة عبئًا متزايدًا.

ورغم أن بعض هذه السياسات قد يكون مبررًا في سياق معين، فإن تجاهل تأثيرها على الطبقة الوسطى يهدد بتقويض أحد أهم ركائز الاقتصاد، ما يجعل إعادة التوازن بين الاستقرار المالي والعدالة الاجتماعية ضرورة ملحّة لا يمكن تأجيلها.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى