
بين مطرقة خامنئي وسندان رضا بهلوي: مأزق البديل الزائف
في المشهد الإيراني المأزوم، لا تقتصر المعاناة على قمع النظام الديني الحاكم بقيادة علي خامنئي، بل تتعداه إلى أزمة عميقة في الخيارات السياسية المتاحة، خاصة حين يُطرح رضا بهلوي، نجل الشاه المخلوع، كبديل محتمل. هذا الطرح، وإن بدا للبعض بريقه لوهلة، سرعان ما يُظهر وجهه الحقيقي حين يُعرض على طاولة النقد الجاد والعقلاني، خصوصا من قبل النخب الثقافية وقطاعات واسعة من الطبقة الوسطى، سواء من الفرس أو من الشعوب غير الفارسية. إن القبول برضا بهلوي كبديل، يُشبه من يستجير من الرمضاء بالنار.
فهل يمكن أن يكون المنقذ من استبداد عميم لمنظومة استبدادية سبق أن لفظها التاريخ؟ وهل يُعقل أن تُستبدل الديكتاتورية الدينية بثيوقراطية قومية الفارسية شاهنشاهيه تُغلف بعباءة الحداثة بينما تحمل في طياتها بذور الرجعية القومية؟
إن العودة إلى النظام الملكي ليست خطوة إلى الأمام، بل سقوط حر إلى ماضٍ لفظته الشعوب بثورة عارمة عام 1979، رغم كل تعقيداتها ونتائجها، لكن لا يمكن اخفاء مشاركة الشعب الأحوازي بقوة فيها. فالنظام البهلوي، الذي يعرض وريثه اليوم كخلاص، لم يكن أقل قمعا في جوهره من النظام الحالي. الفارق كان في الزي الرسمي ونوع الخطاب، لا في البنية السلطوية التي همّشت الشعوب غير الفارسية، وفرضت مركزية قمعية على الأطراف، ومارست سياسات الاستيعاب القومي والاستبداد الأمني والاقتصادي.
فالأمير المبعوث من عالم التهميش اليوم، رضا بهلوي، لا يخفي أبدا في خطابه وأفكاره، تبنيه لتصور قومي متطرف يُعيد إنتاج الفوقية الفارسية، بل ويجعلها محور مشروعه السياسي. وهذا وحده كفيل بأن يُنذر بخطر استمرار القمع ولكن هذه المرة تحت شعارات “وطنية” خادعة. فعوضا عن أن يكون مشروعه جامعا لمختلف مكونات إيران، يتعامل مع القضية وكأنها فرصة لاسترداد مجد مفقود للإمبراطورية الفارسية، دون اعتبار لحق الشعوب الأخرى في تقرير
مصيرها، وعلى رأسها الشعوب العربية والكردية والبلوشية والآذرية والتركمانية.
ليس غريبا أن تكون أوساط المثقفين والطبقة الوسطى، وهي الأكثر تضررا من فشل النظام الحالي، هي الأكثر وعيا بمخاطر العودة إلى النظام البهلوي. فهؤلاء لا يبحثون عن ديكور جديد للاستبداد، بل عن تحول حقيقي يضمن الحريات، ويكرّس التعددية، ويؤسس لدولة مواطنة تخرج من عباءة الأمة الواحدة إلى واقع تعددي يعترف بالاختلافات القومية والثقافية واللغوية.
ما بين مطرقة خامنئي وسندان رضا بهلوي، يجد الإيرانيون الفرس والشعوب غير الفارسية أنفسهم في معضلة وجودية. فالنظام الحالي، القائم على دكتاتورية دينية، لا يترك مجالا للتنفس السياسي، أما البديل المطروح على شكل ملكية منقحة، فهو في حقيقته استمرار لنفس البنية الإقصائية، ولكن بشعارات وشكل مختلفين. ومثل هذا البديل لن يُفضي إلا إلى تعميق الأزمة، لا إلى حلّها.
ما هو المخرج؟
إن المخرج لا يمكن أن يكون بالحنين إلى ماضٍ استبدادي مغطى بالعلمانية الشكلية، ولا بالقبول باستمرار استبداد ديني يستنزف البلاد. البديل الحقيقي يجب أن ينبع من الداخل، من حركات اجتماعية وسياسية تضع قضايا الحرية والعدالة وتقرير المصير على رأس أولوياتها، وتُشرك جميع الشعوب غير الفارسية في صياغة مستقبل مشترك،
يقوم على التعددية واللامركزية والعدالة الاجتماعية. إن الخروج من النفق الإيراني المظلم لن يكون عبر القفز من ديكتاتورية إلى أخرى، بل عبر قطيعة جذرية مع تاريخ من الاستبداد المتلون. بين خامنئي وبهلوي، ثمة طريق ثالث: طريق تُرسم ملامحه بإرادة شعبية حرة، لا بخيارات مفروضة من فوق أو من الخارج.
رحيم حميد



