
بين ضغوط الداخل وتداعيات الخارج.. الشعب الإيراني ضحية سياسات النظام
على امتداد العقود الأربعة الماضية، دفع الشعب الإيراني ثمنًا باهظًا لسياسات داخلية وخارجية اتسمت بالتوتر والتوسع والصراع، ما انعكس بشكل مباشر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية داخل البلاد. فبينما سعى النظام إلى ترسيخ نفوذه الإقليمي وتعزيز حضوره في ملفات دولية معقدة، وجد المواطن الإيراني نفسه في مواجهة أزمات متراكمة، تبدأ من التضخم والبطالة، ولا تنتهي عند تراجع مستوى الخدمات الأساسية.
تشير البيانات الاقتصادية إلى أن معدل التضخم في إيران تجاوز 50.6% بحلول منتصف مارس 2026، مسجلاً ارتفاعاً ملحوظاً من 47.5% في الشهر السابق، وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية والعقوبات وهو من أعلى المعدلات عالميًا، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين بشكل كبير. كما فقدت العملة المحلية (الريال الإيراني) أكثر من 90% من قيمتها خلال العقد الماضي.
في السياق ذاته، ارتفعت معدلات الفقر بشكل لافت، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن أكثر من 60% من الإيرانيين يعيشون تحت خط الفقر أو بالقرب منه، بينما يعاني نحو 30% من فقر مدقع. ويعزى ذلك إلى تراجع الإيرادات النفطية نتيجة العقوبات الدولية، إضافة إلى سوء الإدارة الاقتصادية وتفشي الفساد. وتُقدّر خسائر الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات وحدها بأكثر من 200 مليار دولار منذ عام 2018، وفق تقديرات اقتصادية متعددة.
على صعيد السياسات الخارجية، أنفقت إيران مليارات الدولارات على دعم حلفائها في المنطقة. وتشير تقارير إلى أن حجم الإنفاق السنوي على العمليات الخارجية ودعم الجماعات المسلحة يتراوح بين 10 إلى 20 مليار دولار، وهي أموال كان يمكن أن تُستخدم لتحسين البنية التحتية والخدمات داخل البلاد. في المقابل، تعاني قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم من نقص التمويل، حيث لا يتجاوز الإنفاق الحكومي على القطاع الصحي 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل من المعدلات العالمية.
أما البطالة، فتُعد من أبرز التحديات التي تواجه الشباب الإيراني، إذ تتجاوز نسبتها الرسمية 12%، بينما تصل بين الشباب إلى أكثر من 25%، وفق بعض التقديرات. ويؤدي هذا الواقع إلى تفاقم الهجرة، حيث يغادر آلاف الإيرانيين سنويًا بحثًا عن فرص أفضل، ما يؤدي إلى نزيف في الكفاءات والعقول.
ولا يمكن فصل هذه الأوضاع عن طبيعة السياسات الداخلية التي تتسم بقبضة أمنية مشددة تحد من الحريات السياسية والإعلامية. فقد شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة موجات احتجاج متكررة، أبرزها في أعوام 2019 و2022، حيث خرج مئات الآلاف إلى الشوارع احتجاجًا على الأوضاع المعيشية والسياسية. وتشير تقارير حقوقية إلى سقوط مئات القتلى وآلاف المعتقلين خلال هذه الاحتجاجات، ما يعكس حجم الاحتقان داخل المجتمع.
إلى جانب ذلك، يعاني الإيرانيون من أزمات خدمية متكررة، مثل انقطاع الكهرباء وشح المياه، خاصة في الأحواز، التي تُعد من أغنى المناطق بالنفط، لكنها تعاني في الوقت نفسه من التهميش وضعف التنمية. وتشير تقارير إلى أن نحو 20 مليون إيراني يواجهون مشاكل في الحصول على مياه نظيفة بشكل منتظم.
لقد أصبح الشعب الإيراني الضحية الأولى لسياسات داخلية وخارجية لم تنجح في تحقيق الاستقرار أو الرفاه، بل أدت إلى مزيد من العزلة والضغوط الاقتصادية. وبينما تستمر القيادة في تبني نهجها الحالي، يبقى المواطن الإيراني عالقًا في دائرة من الأزمات، يدفع ثمنها يوميًا من معيشته ومستقبله، في ظل غياب مؤشرات حقيقية على تغيير قريب في السياسات العامة.



