
بالأرقام: مئات الانتهاكات ضد الصحفيين في إيران خلال عام واحد
في تشخيص دولي جديد يعكس عمق الأزمة الهيكلية التي تعيشها الصحافة في الداخل الإيراني، أصدرت منظمة “مراسلون بلا حدود” تقريرها السنوي لمؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2026.
وجاءت النتائج لتؤكد استمرار الانهيار، حيث تراجعت إيران مرتبة واحدة إضافية لتستقر في المركز 177 من أصل 180 دولة، لتواصل بقاءها ضمن “القائمة السوداء” التي تضم أكثر الأنظمة قمعا للإعلام، إلى جانب الصين وكوريا الشمالية وإريتريا.
عالم في خطر: تغول “قوانين الأمن القومي”
لم يكن الوضع الإيراني معزولا عن سياق عالمي قاتم؛ فقد حذرت “مراسلون بلا حدود” من أن أكثر من نصف دول العالم تعيش وضعا “خطيرا” فيما يتعلق بحرية الإعلام.
وأرجعت المنظمة هذا التدهور إلى تزايد الضغوط القانونية، حيث تفرض الحكومات قيودا إضافية مستندة إلى قوانين “الأمن القومي” أو “مكافحة الإرهاب”.
وفي حين تصدرت النرويج القائمة للعام العاشر على التوالي، تلتها هولندا وإستونيا، شهدت ألمانيا تراجعا لافتا للمرتبة 14. وفي المقابل، حققت سوريا أكبر قفزة بتحسنها 36 مركزا في أعقاب التحولات السياسية الأخيرة، رغم بقائها في منطقة الخطر.
إيران 2025-2026: ميكانيكا القمع الممنهج
وفقا لنتائج منظمة “الدفاع عن حرية تدفق المعلومات” (DeFFI)، فإن عام 2025 شهد اشتدادا غير مسبوق في القيود. ولم يتوقف الأمر عند الاعتقالات، بل تطور ليشمل “التهديدات العابرة للحدود” ضد الصحفيين الإيرانيين في الخارج.
ومع نهاية 2025 وبداية 2026، ومع اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة، فعل النظام الإيراني “بروتوكولات القمع” المصممة مسبقا.
وتم فرض “ظلام رقمي” كامل عبر قطع الإنترنت الدولي، وتعطيل شبكات الاتصال، وتجريم التواصل مع وسائل الإعلام الخارجية.
ويشير التحليل الإحصائي لـ (DeFFI) إلى أن هذه الآلية ليست عشوائية، بل هي نظام مترابط يدمج المؤسسات القضائية والأمنية مع “جيش إلكتروني” من وسائل إعلام زائفة وآلاف الحسابات على منصات “تيليجرام” و”إكس” (تويتر سابقا)، لترديد رواية السلطة وتشويه الحقائق.
سجل الانتهاكات: السجون بدلا من غرف الأخبار
وثقت منظمة (DeFFI) في تقريرها السنوي، المدعوم من “مراسلون بلا حدود”، 264 حالة جديدة من القمع المباشر خلال عام 2025. بدأ العام بوجود 9 صحفيين خلف القضبان، من بينهم نسرين حسني (سجن بجنورد) وجينا مدرس جورجي (سجن سنندج) ورضا ولي زاده والصحفية الإيطالية سيسيليا سالا (سجن طهران).
وعلى مدار العام، تعرض 14 صحفيا للاحتجاز المؤقت، بينهم أسماء بارزة مثل مهدي بيك، ماجد سعيدي، وحسين ملك نجاد. ورغم الإفراج عن بعضهم، إلا أنهم واجهوا قيودا مشددة منعتهم من العودة لمزاولة المهنة.
ومع دخول عام 2026، تصاعدت المخاوف بشأن المصورة الصحفية علياء متابل زاده، التي اعتقلت في مشهد ونقلت إلى مكان مجهول، حيث تواجه الحبس الانفرادي وتحرم من العلاج رغم صراعها مع مرض السرطان.
الترسانة القانونية: تجريم العمل الصحفي
أظهر التقرير أن القضاء الإيراني يستخدم “التهم الفضفاضة” كأداة للجم الأفواه، وتصدرت قائمة التهم في 2025 الدعاية ضد النظام (22 مرة) والتشهير والقذف (21 مرة) وإفشاء وثائق سرية وإهانة موظفي الحكومة (14 مرة) والتعاون مع دول معادية والتآمر ضد الأمن القومي.
إحصائيا، ارتكبت المؤسسات الأمنية والقضائية 398 انتهاكا حقوقيا على الأقل بحق الصحفيين. شمل ذلك 239 حالة تهديد ومضايقة، و67 محاكمة مغلقة، بالإضافة إلى 54 حالة استهداف لعائلات الصحفيين للضغط عليهم.
كما تعاني الصحافة الإيرانية من ظروف صعبة ومقلقة؛ ظروف ليست فقط نتيجة للاشتباكات القضائية والأمنية، بل إن غياب المنظمات الصحفية المتماسكة والأزمات المالية في وسائل الإعلام هي عوامل أخرى تفاقم وضعها غير المقبول.
وفي عام 2025، لم يتم اتخاذ أي إجراء لإعادة فتح جمعية الصحفيين الإيرانيين – التي تم إغلاقها بعد احتجاجات عام 2009 – واستمر التدخل في استقلال الصحافة من خلال سيطرة وزارة الإرشاد الإسلامي الكاملة على جزء كبير من الموارد المالية لوسائل الإعلام (توزيع الإعلانات).
استثمرت السلطات الإيرانية بكثافة في جهازها الدعائي بهدف إضعاف الصحافة في إيران.
وتعمل أجهزة الأمن والقضاء والدعاية التابعة للجمهورية الإسلامية بتنسيق وثيق لمنع الروايات المستقلة من أن تصبح الرواية السائدة بين المواطنين.
كيف يقاس الانهيار؟
يعتمد تصنيف “مراسلون بلا حدود” على خمسة مؤشرات أساسية: (السياق السياسي، الإطار القانوني، السياق الاقتصادي، السياق الاجتماعي، والأمن).
وفي الحالة الإيرانية، سجلت المؤشرات القانونية والأمنية أدنى درجاتها؛ حيث يعامل الصحفي كمشتبه به أمنيا أو “جاسوس” بمجرد نقله للواقع.
إن استقرار إيران في المرتبة 177 ليس مجرد تراجع إحصائي، بل هو تجسيد لواقع يعيش فيه مئات الصحفيين بين السجون والمنافي، تحت وطأة نظام يرى في “المعلومة المستقلة” تهديدا وجوديا لبقائه.



