أهم الأخبارالأخبارتقارير

بأعلى معدل منذ عقود.. كيف يستخدم النظام الإيراني “المشانق” لقمع الاحتجاجات؟

بينما تغلي الشوارع الإيرانية بمطالب التغيير، وتتصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية من وقت لأخر وفي ظل مأزق الحرب الأمريكية، يبرز “حبل المشنقة” كأداة سياسية مركزية في يد النظام الإيراني.
ففي إيران، لا ينظر إلى عقوبة الإعدام كمجرد إجراء جنائي للردع عن الجريمة، بل هي سلاح استراتيجي يستخدم بدقة لغرض واحد الحفاظ على بقاء النظام عبر بث الرعب الممنهج وشل حركة المجتمع.

أرقام صادمة: عام 2025 الأعلى دموية منذ عقود
تشير الإحصاءات والبيانات الصادرة عن منظمات حقوقية دولية، مثل منظمة العفو الدولية ومنظمة حقوق الإنسان في إيران (IHRNGO)، إلى أن عام 2025 شهد طفرة مرعبة في تنفيذ أحكام الإعدام. فقد سجل تنفيذ ما لا يقل عن 1639 عملية إعدام، بينما تشير تقارير غير رسمية إلى أن الرقم الحقيقي قد تجاوز الـ 2000 حالة.

هذا الرقم هو الأعلى الذي تسجله البلاد منذ عام 1989، مما يعكس حالة الاستنفار الأمني لدى السلطات. ومع مطلع عام 2026، وتحديدا عقب انتفاضة “يناير 2026” التي عمت البلاد، تسارعت وتيرة الإعدامات لتشمل المتظاهرين الشباب، حيث نفذت أحكام إعدام بحق مراهقين، من بينهم الشاب صالح محمدي (19 عاما)، الذي أعدم في إجراءات وصفتها المنظمات الحقوقية بأنها “انتقامية” وتفتقر لأدنى معايير المحاكمة العادلة.

سيكولوجية الترهيب: كيف يوظف الإعدام قمعيا؟
يعتمد النظام الإيراني استراتيجية “الإرهاب العلني” لتحقيق أهداف سياسية محددة، تهدف عمليات الإعدام، سواء تلك التي تنفذ علنا في الميادين أو التي يروج لها بكثافة عبر وسائل الإعلام الحكومية مثل وكالة “ميزان” التابعة للسلطة القضائية، إلى إيصال رسالة ضمنية لكل مواطن ثمن الاحتجاج هو حياتك، هذا النوع من الردع يهدف إلى كسر الروح المعنوية للمتظاهرين قبل خروجهم إلى الشارع.

كنا يساق المتظاهرون إلى “المحاكم الثورية” حيث تصدر الأحكام بتهم فضفاضة وذات صبغة دينية وسياسية، مثل “المحاربة” (عداء الله)، و”الإفساد في الأرض”، و”العمالة للخارج”. في هذه المحاكم، تنتزع الاعترافات تحت التعذيب الجسدي والنفسي، ويحرم المتهمون من حق الوصول إلى محامين مستقلين، وتصدر الأحكام في جلسات مغلقة لا تستغرق أحيانا أكثر من دقائق.

وبتوجيهات مباشرة من رئيس السلطة القضائية، غلام حسين محسني إيجي، يتم حث القضاة على تنفيذ الأحكام “بسرعة وحزم”.
الهدف من هذا الاستعجال هو خلق حالة من الصدمة داخل المجتمع، فإعدام متظاهر بعد أسابيع قليلة من اعتقاله يمنع تشكل حملات تضامن دولية أو محلية قوية، ويجعل من الموت حقيقة واقعة وسريعة.

التوقيت السياسي: الإعدام كصمام أمان
يلاحظ المراقبون أن النظام الإيراني يكثف عمليات الإعدام في فترات الأزمات الكبرى. فعندما تشتد الضغوط الخارجية، مثل التوترات العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل أو أثناء المفاوضات النووية المعقدة، تستخدم آلة الإعدام محليا لصرف الانتباه وتأمين الجبهة الداخلية عبر القمع المطلق. إنها محاولة لتصدير صورة “النظام القوي” الذي لا يتهاون مع أي تهديد داخلي بينما يواجه تحديات خارجية.

استهداف الفئات النوعية
لا تفرق آلة القمع الإيرانية بين فئة وأخرى، لكنها تركز بشكل خاص على الشباب والمراهقين لكسر شوكة الجيل الجديد الذي يقود الاحتجاجات، والنشطاء لمنع تداخل المطالب الحقوقية مع المطالب القومية ولضرب النخب القادرة على تنظيم الجماهير.

شرعية متآكلة وخوف مستدام
وصفت الأمم المتحدة والمقررون الخواص هذه السياسة بأنها “استخدام ممنهج لعقوبة الإعدام كأداة للقتل السياسي”.
ورغم أن هذا النهج قد ينجح على المدى القصير في إفراغ الشوارع وخلق مناخ من الخوف، إلا أنه على المدى البعيد يعمق الفجوة بين النظام والشعب، ويحول كل عملية إعدام إلى وقود جديد لغضب كامن قد ينفجر في أي لحظة.

إن إصرار النظام على استخدام “المشنقة” بدلا من الإصلاح يعكس قناعة عميقة لدى القيادة الإيرانية بأن التنازل يعني السقوط، وأن الترهيب هو اللغة الوحيدة التي تضمن استمرار السلطة في ظل أزمة شرعية لم تشهدها البلاد منذ ثورة 1979.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى