
الهروب إلى الأمام: كيف يصدر النظام الإيراني أزماته الداخلية إلى جبهات الإقليم؟
في مشهد جيوسياسي معقد، يبدو أن النظام الإيراني بات يعتمد استراتيجية “تصدير الأزمة” كآلية بقاء أساسية. فمع حلول أبريل 2026، يواجه نظام طهران عاصفة مثالية من الإخفاقات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية العارمة، مما يدفع صانع القرار في “بيت المرشد” إلى تحريك بيادق الإقليم وافتعال مواجهات خارجية لصرف الأنظار عن تصدع الجبهة الداخلية. هذا النمط، الذي يصفه المحللون بظاهرة “الالتفاف حول العلم”، لم يعد مجرد مناورة دبلوماسية، بل تحول إلى درع أمني يهدف إلى حماية هيكل النظام من الانهيار الوشيك.
الداخل المشتعل.. انهيار الريال وبركان الاحتجاجات
تمر إيران في الفترة ما بين 2025 و2026 بواحدة من أحلك أزماتها الاقتصادية منذ ثورة 1979، لقد وصل الريال الإيراني إلى مستويات غير مسبوقة من الانحدار، حيث يتأرجح سعر الصرف في السوق السوداء بين 1.4 و1.45 مليون ريال للدولار الواحد.
هذا الانهيار لم يتبعه تضخم رسمي تجاوز الـ 40% فحسب، بل أدى إلى قفزات جنونية في أسعار السلع الأساسية، مما جعل سلة الغذاء بعيدة عن متناول ملايين الإيرانيين.
بدأت شرارة الانفجار في أواخر ديسمبر 2025 من قلب “البازار الكبير” في طهران،الذي يعد المحرك التقليدي للاقتصاد والسياسة، وسرعان ما امتدت لتشمل كافة الجغرافية الإيرانية.
ولم تعد المطالب تقتصر على إصلاحات معيشية، بل رفعت شعارات “تغيير النظام” و”الموت للديكتاتور”، في إشارة واضحة إلى تآكل شرعية الحكم الديني.
استراتيجية “التضليل” عبر الوكلاء والصواريخ
لمواجهة هذا الضغط الشعبي، عاد النظام الإيراني إلى “كتيب القواعد القديم”: افتعال أزمة خارجية. في أوائل أبريل 2026، رصدت تقارير استخباراتية وإعلامية تنسيقا إيرانيا عالي المستوى لتصعيد الهجمات على إسرائيل. شمل ذلك استخدام الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية من الداخل الإيراني.
وكذلك تفعيل جبهة جنوب لبنان عبر حزب الله، وهجمات الحوثيين في البحر الأحمر، والمليشيات العراقية في استهداف المصالح الأمريكية والقواعد العسكرية في العراق.
يرى محللون من “معهد بروكينغز” أن هذا التصعيد يخدم هدفين: الأول هو حشد القاعدة المتشددة في الداخل تحت شعار “المقاومة” ضد العدو الخارجي، والثاني هو إظهار القوة الإقليمية للتغطية على الانتكاسات الميدانية التي تعرض لها “محور المقاومة” في عام 2025، خاصة بعد إضعاف حزب الله والتحولات الدراماتيكية في الملف السوري.
القمع في الداخل كوجه آخر للعملة
بينما تنشغل طائرات النظام ومسيراته في الخارج، تنشغل أجهزته الأمنية في الداخل بحملة قمع “وحشية”، حيث وثقت منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” ومنظمة العفو الدولية اعتقال عشرات الآلاف منذ بدء احتجاجات ديسمبر، مع استخدام القوة المميتة التي خلفت مئات القتلى.
ويشير النقاد إلى أن النظام يمارس نوعا من “التضليل الممنهج”؛ فهو يعمد إلى تصوير نفسه كحصن أخير ضد “العدوان الأمريكي-الإسرائيلي” لتبرير سوء الإدارة والفساد المستشري في المؤسسات الحكومية.
هذا السلوك يشبه الهروب الدائم من استحقاقات الحكم الرشيد. وبدلا من استثمار الموارد في حل أزمات المياه والطاقة المتفاقمة، توجه المليارات لدعم البرنامج النووي وشبكات الوكلاء العابرة للحدود.
هذا النمط تكرر تاريخيا في محطات مفصلية في عام 2018 بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي وتصاعد الاحتجاجات المعيشية، وكذلك إبان انتفاضة “مهسا أميني” في 2022، حيث رد النظام بتصعيد في الملف النووي وتهديد الملاحة الدولية.
وأخيرا في عام 2025 عقب خسائر ميدانية للوكلاء، مما استدعى ردا عسكريا مباشرا لإعادة هيبة “الردع”.
حقائق مضادة ومخاطر استراتيجية
رغم قوة فرضية “التضليل”، إلا أن هناك وجهات نظر ترى أن التحركات الإيرانية ليست مجرد مناورة تكتيكية. قادة طهران ينظرون إلى شبكة الوكلاء والبرنامج الصاروخي كـ “دفاع استباقي” وضرورة وجودية بقيت تبنى على مدار عقود، وليست مجرد رد فعل لحظي على احتجاجات الداخل.
ومع ذلك، أثبتت أحداث 2026 أن هذه الاستراتيجية بدأت تفقد فاعليتها وتتحول إلى “عبء استراتيجي”. فالاستنزاف المالي والعسكري بالوكالة، وفرض المزيد من العقوبات الدولية نتيجة التصعيد، أدى إلى تفاقم نقاط الضعف البنيوية في النظام. فالشعب الإيراني، الذي يراقب تدمير بلاده اقتصاديا، لم يعد يقتنع بأسطورة “المقاومة” بينما يرى ثرواته تنفق في شوارع بيروت وصنعاء ودمشق.
رهان البقاء على فوهة بركان
إن بقاء النظام الإيراني في هذه المرحلة الحرجة من عام 2026 لم يعد يعتمد على “الانتصارات الخارجية” الزائفة، بل بات يعتمد بشكل كلي على قبضة أمنية حديدية في الداخل. إن الفجوة بين طموحات الإمبراطورية الإقليمية وبين واقع المواطن الإيراني المسحوق تحت وطأة التضخم والفقر قد وصلت إلى مرحلة اللاعودة.
في نهاية المطاف، يثبت التاريخ أن الأنظمة التي تحاول حل أزماتها الداخلية عبر مغامرات خارجية غالبا ما تنتهي بمواجهة الحقيقة المرة: أن الجبهة الداخلية هي الحصن الوحيد الذي لا يمكن ترميمه بالصواريخ البالستية. ومع استمرار خطر الإعدام الذي يهدد دانا مطوري وغيره من أبناء الأحواز والشعب الإيراني، يبقى السؤال: إلى متى سيصمد “درع التضليل” قبل أن تكتسحه أمواج التغيير الشعبي؟



