
النظام الإيراني ورهان التصلب ومخاوف الانهيار
ترسخت قناعة لدى قيادته بأن الاستسلام أو التنازل الكامل والتام أمام الأميركي ستنتج منه معادلات جديدة
حسن فحص
يجمع كثير من الخبراء أن أية عملية عسكرية أميركية ضد الجمهورية الإسلامية في إيران لن تؤدي إلى سقوط النظام السياسي الديني القائم، في حين يقول بعضهم الآخر إن العمل العسكري سيؤدي في نتائجه إلى التأسيس لمرحلة جديدة من الانحدار، وبالتالي فإن المطلوب من العمل العسكري ليس الوصول إلى نتيجة حاسمة وإنما تسريع عملية الانهيار وصولاً إلى التغيير.
وعلى رغم أن غالبية القوى الإيرانية، الدينية والسياسية والعسكرية، لديها التقديرات نفسها لنتائج وتداعيات العملية العسكرية، وما تسعى إليه واشنطن من أهداف، لكنها تضيف عاملاً آخر إليها وقد يؤدي إلى انهيار النظام وخسارته أساس وجوده، وهو ما يمكن تسميته باستسلام النظام أمام الشروط الأميركية، أو تحديداً شروط الرئيس دونالد ترمب التي تعري النظام من جميع أوراق قوته، في مقابل سحب خيار الحرب والمواجهة.
وأمام تأرجح قيادة النظام بين خيار الانتحار العسكري وخيار الانهيار السياسي فقد ترسخت لديها قناعة بأن الاستسلام أو التنازل الكامل والتام أمام الأميركي ستنتج منه معادلات جديدة، ولن تستطيع الصواريخ وتوسيع دائرة الحرب نحو الإقليم تغيير مسارها أو وقف تداعياتها السلبية، خصوصاً على الداخل الإيراني وأركان النظام، وأن أية تنازلات قد يقدمها ستكون عاجزة عن منع أو وقف مسار سقوطه وإنهاء دوره الوظيفي الذي كان يسعى إلى فرضه على المعادلات الإقليمية والدولية، ومن هنا يأتي رهان هذه القيادة لمنع الحرب على استغلال المخاوف الإقليمية وبعض الهواجس الدولية من أعباء انهيار النظام، والمسار المعقد الذي قد تأخذه الأوضاع في منطقة غرب آسيا.
تنشغل قيادة النظام بترتيب أوراقها الخارجية والتفاوضية قبيل جولة ثالثة من التفاوض مع الطرف الأميركي قد تكون حاسمة لجهة الشكل والمضمون، وبخاصة لجهة النقاش حول مسودة الرؤية الإيرانية للحل، والتي يدخل في رسم مسارها المرشد الأعلى علي خامنئي ومستويات القرار التي تعمل على تنفيذ توجهاته وسياساته، وتقوم بتحويلها خلاصات الموقف السياسي والعسكري والأمني إلى آليات عملية يتولى الجهاز الدبلوماسي تنفيذها ضمن الهوامش المتاحة له والحدود المسموح بها خلال المفاوضات، وأن الفشل في المفاوضات وعدم التوصل إلى بداية أو منطلقات تفاهم واتفاق حول هذه الورقة سيقلصان هامش المناورة أمام النظام، وهو ما يعيد وضعه أمام واحد من خياري الحرب أو الاستسلام.
في المقابل يبدو أن الكتلة الصلبة للنظام لا تزال تعيش حال انكار لما يحيط بالنظام وإيران من أخطار خارجية وداخلية، ولا تزال تصر على ممارسة السياسات نفسها التي كانت تعتمدها لترتيب وهندسة المشهد السياسي الداخلي، وكأن شيئاَ أو تطوراً أو تغييراً في المعطيات والمفاهيم لم يحصل، وقد يظن أو يعتقد بعضهم أن انشغال القيادة في البحث عن مخارج لتسوية ما مع الإدارة الأميركية، وما تمارسه الجماعات المتشددة التي لا تزال تقبض على مفاصل القرار ضمن هرمية النظام والعملية السياسية، يشكلان نوعاً من الانفصام بينها وبين هواجس تشغل قيادة النظام ومؤسساته العسكرية والأمنية والدبلوماسية، إلا أن التمسك والإصرار على سياسة الإقصاء والإبعاد والتضييق ومحاصرة الخصوم السياسيين من إصلاحيين معتدلين، يعزز الاعتقاد بصعوبة حصول تغيير أو تعديل في سلوك النظام في ما يتعلق بالداخل وآليات تعامله التاريخي مع خصومه السياسيين، وأن الإصرار على هذه السياسات لا يأخذ بالاعتبار كل المستجدات والتحديات التي يعيشها النظام على الصعيدين الداخلي والدولي، سواء الحشود العسكرية في محيط إيران وتصاعد خيار الحرب، أو الأحداث والاعتراضات الشعبية التي أنتجت شرخاً عميقاً بين النظام والشعب وبين الشعب والدولة، وأدت في النتيجة إلى تراجع إمكان ترميم الثقة بين طرفي المعادلة التي تعتبر شرطاً أساساً لبقائه واستمراره.
إن عدم الاعتراف بحجم التحولات والتغييرات الحاصلة على المشهد السياسي والشعبي الداخلي، إضافة إلى ما يروجون له بأن الحرب قد تتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج النظام وترميم قواعده الشعبية كمدخل لاستعادة شرعيته، يحمل على الاعتقاد بأن النظام لا يزال يعيش حال انفصام عن التحولات الداخلية والدولية، وأنه لا يزال قادراً على التعامل مع أي تطور وتحويله إلى فرصة لإعادة تثبيت أركانه وأسسه، وتأمين استمراره في السلطة والحكم والسياسة.
ترمب في خطاب قياسي عن حالة الاتحاد: إيران تطور صواريخ ممكن أن تصل إلينا
وعلى العكس من الموقف الذي اتخذته حكومة الرئيس مسعود بزشكيان في شأن استئناف العام الدراسي في الجامعات الإيرانية بصورة طبيعية، فقد سعت القوى المتشددة إلى تحويل الدراسة لـ “افتراضية وعن بعد” خوفاً من أي حراك طلابي قد يعيد للواجهة موجة الاحتجاجات التي شهدتها إيران قبل نحو شهرين، وما أدت إليه من تعميق الانقسام والشرخ بين النظام والشعب، ولم تسلم الدولة والحكومة باعتبارهما نتاج هذا النظام ومؤسساته السلطوية، إلا أن الحراك الطلابي وإن كان يجري داخل أسوار الجامعات والشعارات المعادية للنظام ورأسه بكل وضوح وجرأة، كشف عن عمق أزمة منظومة السلطة التي فشلت في ترويج سرديتها حول الأحداث الأخيرة، ولم تستطع تقديم رواية مقنعة عن حجم الخسائر البشرية التي سقطت جراء عملية القمع والقتل التي مورست ضد المحتجين والمتظاهرين.
ويبدو أيضاً أن الكتلة الصلبة للنظام لا تزال متمسكة بقدرتها على تجاوز الأزمة وتداعياتها، وأن هذه القناعة دفعتها وتدفعها نحو الاستمرار في ممارسة سياساتها القديمة التي دأبت على تطبيقها في وجه خصومها، من خلال العودة لسلاح “مجلس صيانة الدستور” واللجان الرقابية، وهذه المرة لاستبعاد مرشحي الانتخابات البلدية، وانطلاقاً من عقيدتها بأن أي تنازل في أي استحقاق مفصلي أو جزئي له علاقة بقدرتها على التحكم في مفاصل القرار الإداري والمشهد الداخلي السياسي، سيعتبر اعترافاً منها بتراجع قدرتها على السيطرة والتحكم، وأن عليها الاستجابة لمطالبات القوى السياسية المعارضة والنزول عند رغبات ومواقف الشارع والاعتراف بها، والذي يعني اعترافاً بفشل إدارتها ومشروعها السلطوي لإدارة البلاد.
الإصرار على هذه السياسات في الداخل، والذي لا يأخذ الشرخ الحاصل بين النظام والشعب، قد يشكل اللغم الحقيقي والخطر الذي يهدد النظام من الداخل، وقد لا تكون الصفقات مع واشنطن ولا الحرب الإقليمية قادرة على ردم هذه الهوة وإبعاد الخطر عنه.
نقلا عن اندبندنت عربية



