أهم الأخبارمقالات

العرب وإيران: حين يُعاد تشكيل الوعي تحت ظلال الانكسار

 

كرم نعمة

كتب الباحث العراقي محمد عطوان مقالة حاول فيها تفسير اللحظة العربية الراهنة عبر فرضية أن العرب يشعرون بالضآلة أمام إيران، وأن الحرب الأخيرة كشفت عن تفوق إيراني جعل الجماعات العربية، على اختلاف مواقعها، تعيد النظر في هويتها وموقعها. غير أن قراءة العلاقة العربية‑الإيرانية من هذه الزاوية وحدها تُفضي إلى اختزال تاريخي لا يليق بتعقيد المشهد، لأنها تنطلق من لحظة انكسار عربي حديثة، وتُسقطها على قرن كامل من التفاعل السياسي والثقافي بين الطرفين، وكأن التاريخ يبدأ من اللحظة التي انهارت فيها الدولة الوطنية في العراق، لا من اللحظة التي كانت فيها هذه الدولة قادرة على أن تكون نداً صلباً لإيران.

فإيران، منذ انتصار ثورتها عام 1979، لم تُخفِ طموحها في إعادة تعريف مركزية العالم الإسلامي. نظرية “أمّ القرى” الاستراتيجية التي صاغها محمد جواد لاريجاني لم تكن تنظيراً فقهياً، بل مشروعاً سياسياً يهدف إلى نقل مركز الثقل الإسلامي من مكة إلى قم، وإلى جعل “ولاية الفقيه” مرجعية سياسية للعالم الإسلامي كله. هذا المشروع لم يكن يوماً خلافاً مذهبياً قابلاً للاستيعاب داخل “إطار الدين الواحد”، بل كان إعادة هندسة سياسية للفضاء الإسلامي وفق رؤية ترى أن إيران ليست دولة إقليمية فحسب، بل “دولة قائدة” لها حق الوصاية على محيطها العربي. إن اختزال هذا المشروع في خلاف فقهي هو تجاهل لطبيعة البنية السياسية التي حكمت إيران منذ أربعة عقود.

وفي المقابل، فإن القول بأن العرب يشعرون بالضآلة أمام إيران يتجاهل حقيقة تاريخية لا يمكن القفز عليها: أن العرب — والعراق تحديداً — خاضوا حرباً مع إيران بين 1980 و1988 لم تكن حرباً مذهبية، بل حرب دولة تدافع عن حدودها ووجودها، في مواجهة خطاب ثوري رفع الخميني فيه آنذاك شعار “تحرير القدس يبدأ من كربلاء”. عد هنا إلى مقالي باللغة الإنجليزية “لماذا يدافع -عراقيون- على نظام خامنئي”.

في تلك الحرب لم يكن العراق والعرب صغاراً أمام إيران، ولم تكن إيران قوة لا تُقهر، ولم تستطع تحقيق أي اختراق استراتيجي حاسم، وانتهت الحرب بقبولها وقف إطلاق النار، وهو ما وصفه الخميني بأنه “تجرّع كأس السم”. هذه الحرب ليست مجرد فصل عسكري، بل شاهد سياسي ينسف فكرة “الضآلة العربية” من جذورها. فالضآلة ليست شعوراً عربياً، بل حالة سياسية نشأت بعد انهيار الدولة العراقية عام 2003، وبعد تفكك البنية العربية في سوريا واليمن ولبنان.

أما الجماعات العربية المسلحة التي تتماهى اليوم مع إيران، فليست دليلاً على تفوق إيراني، بل على فشل الدولة الوطنية في بناء هوية جامعة. فهذه الجماعات لم تتشكل وفق قضية فكرية وطنية، بل قدمت نفسها كأذرع ميليشياوية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني. يكفي هنا التذكير بما قاله زعيم حزب الله الراحل حسن نصرالله عن أن ولاءه لإيران لا ينتهي لأن تسليحه وتمويله إيرانيان صرفان. ولم تكن هذه الجماعات موجودة خلال الحرب العراقية‑الإيرانية، ولا حين كانت الدولة الوطنية قوية، ولا حين كان المشروع العربي واضحاً. إن ما يُسمّى “جاذبية إيران” ليس سوى فراغ سياسي عربي ملأته إيران بعد 2003، حين انهارت الدولة المركزية في العراق، وتراجعت الدولة السورية، وتحوّل اليمن إلى ساحة صراع، وفقد لبنان قدرته على إنتاج دولة. في هذا الفراغ بدا المشروع الإيراني أكبر مما هو عليه، لا لأنه قوي، بل لأن الآخرين تراجعوا.

لذلك تنطلق قراءة اللحظة الراهنة بوصفها لحظة تفوق إيراني، من وعي عربي مثقل بالانكسار، لا من قراءة موضوعية لموازين القوى. فالحرب الأخيرة لم تُظهر تفوقاً إيرانياً بقدر ما كشفت حدود القوة الإيرانية، وهشاشة أذرعها حين تُترك بلا غطاء، وعمق الأزمة الاقتصادية والسياسية داخلها، وبداية عودة الوعي الوطني في العراق، حيث بدأت الجماعات الشيعية غير الولائية تنظر إلى نفسها من داخل الهوية العراقية لا من خارجها. كما كشفت أن دول الخليج العربي لم يعد تتعامل مع إيران بوصفها قوة مطلقة، بل بوصفها جاراً مضطرباً، وأن العرب، رغم الانقسام، بدأوا يستعيدون فكرة الدولة الوطنية بوصفها الإطار الوحيد القادر على مواجهة مشاريع الهيمنة. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما ينتظر إيران نفسها عندما يستعيد الإيرانيون حريتهم من سطوة نظام ثيوقراطي قمعي، في لحظة تبدو أقرب إلى الانفجار منها إلى الاستقرار.

إن إعادة قراءة العلاقة العربية‑الإيرانية من زاوية “الضآلة” هي إعادة إنتاج لوعي مهزوم، لا قراءة سياسية. فالعرب لم يكونوا يوماً صغاراً أمام إيران، لا في التاريخ القديم ولا في التاريخ الحديث. يكفي أن نتذكر كيف فكّ الأسطول العُماني حصار البصرة الذي فرضه الفرس عام 1775 بعد أن استنجدت قبائل البصرة بالإمام أحمد البوسعيدي، الذي سبق أن خاض حروباً مع الفرس وشكّل واحداً من أقوى الأساطيل البحرية العربية في مواجهة الأسطول البرتغالي.

وما بدا تفوقاً إيرانياً حين زعمت طهران أنها تحكم أربع عواصم عربية لم يكن تفوقاً في حقيقة الأمر، بل استثماراً في انهيار الآخرين.

في النهاية يدرك الزميل عطوان أن استعادة الوعي العربي لا تبدأ من الاعتراف بضآلة مفترضة، بل من إعادة بناء الدولة الوطنية، ومن إعادة قراءة التاريخ بعيون غير مكسورة، ومن إدراك أن القوة ليست قدراً، بل صناعة سياسية. وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من اللحظة الراهنة، فهو أن العرب لا يحتاجون إلى إيران ليعرفوا حجمهم، بل يحتاجون إلى مشروع عربي يعيد لهم مكانتهم الطبيعية في الإقليم.

نقلا عن العالم الحديد

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى