أهم الأخبارتقارير

العراق تحت قبضة الميليشيات.. كيف رسّخت إيران نفوذها وحوّلت الدولة إلى ساحة لصراعاتها الإقليمية؟

 

منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003 عقب الغزو الأمريكي للعراق، أصبحت إيران أحد أكثر الأطراف تأثيرًا في المشهد العراقي سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا.

واستغلت إيران الفراغ الذي أعقب انهيار مؤسسات الدولة العراقية لتوسيع نفوذها عبر شبكة من الأحزاب والجماعات المسلحة المرتبطة بها، وفي مقدمتها الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي.

وعلى مدى أكثر من عقدين، تحوّل العراق إلى ساحة مركزية في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، ما أثار اتهامات واسعة لطهران باستخدام الميليشيات المسلحة لترسيخ نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الدولة العراقية وسيادتها ومصالح شعبها.

بدأ النفوذ الإيراني في العراق بالتوسع سريعًا بعد عام 2003 عبر دعم أحزاب شيعية وفصائل مسلحة نشأت أو تعززت خلال مرحلة الاحتلال الأمريكي.

واستفادت طهران من الروابط الدينية والسياسية والجغرافية مع العراق لبناء شبكة نفوذ عميقة داخل مؤسسات الدولة والأجهزة الأمنية والاقتصاد.

ومع تصاعد العنف الطائفي بين عامي 2005 و2007، اتُهمت فصائل مدعومة من الحرس الثوري الإيراني بتنفيذ عمليات ضد القوات الأمريكية ومجموعات عراقية منافسة، في وقت كانت فيه إيران تعمل على تثبيت حضورها داخل النظام السياسي العراقي الجديد.

لكن نقطة التحول الكبرى جاءت عام 2014 بعد اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من العراق، بما فيها مدينة الموصل.

ففي ذلك الوقت، أُعلن تشكيل “الحشد الشعبي” استجابة لفتوى “الجهاد الكفائي” التي أصدرها المرجع الشيعي علي السيستاني لمواجهة التنظيم.

ونجحت فصائل الحشد، بدعم مباشر من إيران، في لعب دور عسكري رئيسي في استعادة المدن التي سيطر عليها داعش.

غير أن توسع نفوذ هذه الفصائل بعد انتهاء المعارك أثار مخاوف داخلية ودولية من تحولها إلى قوة موازية للدولة العراقية.

ورغم أن الحشد الشعبي أصبح مؤسسة رسمية مرتبطة بالدولة منذ عام 2016، فإن عدداً من أبرز فصائله يحتفظ بعلاقات وثيقة مع إيران، سواء من الناحية العقائدية أو العسكرية.

وتضم هذه الفصائل جماعات مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وحركة النجباء، وهي جماعات صنفت بعضها الولايات المتحدة كمنظمات إرهابية.

كما ارتبطت هذه الفصائل بعلاقات مباشرة مع قائد “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني الذي لعب دورًا محوريًا في إدارة النفوذ الإيراني بالعراق حتى مقتله بضربة أمريكية قرب مطار بغداد مطلع عام 2020.

وتتهم أطراف عراقية وإقليمية هذه الجماعات بالعمل ضمن أجندة إيرانية تتجاوز المصالح الوطنية العراقية، خصوصًا في الملفات الأمنية والإقليمية.

فقد شاركت فصائل عراقية موالية لطهران في القتال داخل سوريا دعماً لنظام الرئيس بشار الأسد، كما هددت مرارًا المصالح الأمريكية في العراق عبر هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد تضم قوات أمريكية.

ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، تحوّل العراق إلى إحدى ساحات المواجهة غير المباشرة، حيث تعرضت قواعد ومواقع لفصائل موالية لإيران لضربات متكررة.

اقتصاديًا، يواجه العراق اتهامات داخلية متزايدة بأن النفوذ الإيراني ساهم في إضعاف مؤسسات الدولة واستنزاف مواردها.

فرغم أن العراق يمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، ويعتمد على النفط في أكثر من 90% من إيراداته الحكومية، فإن البلاد لا تزال تعاني من تدهور البنية التحتية والبطالة والفساد وضعف الخدمات الأساسية.

وتشير تقارير دولية إلى أن مليارات الدولارات فقدت بسبب الفساد وسوء الإدارة منذ عام 2003، فيما يرى منتقدو النفوذ الإيراني أن الجماعات المسلحة المرتبطة بطهران استفادت من هذا الواقع لتعزيز نفوذها الاقتصادي عبر السيطرة على معابر حدودية وشبكات تجارة ونفوذ داخل قطاعات اقتصادية حيوية.

كما أثارت تجارة الطاقة بين العراق وإيران جدلاً واسعًا، خصوصًا في ظل اعتماد العراق على الغاز والكهرباء الإيرانيين لتغطية جزء من احتياجاته المحلية.

وبينما تعتبر الحكومة العراقية هذا التعاون ضرورة تقنية واقتصادية بسبب ضعف البنية التحتية للطاقة، يرى معارضو النفوذ الإيراني أن هذا الاعتماد عزز قدرة طهران على التأثير في القرار العراقي وربط الاقتصاد العراقي بمصالحها الإقليمية.

سياسيًا، أصبح النفوذ الإيراني عاملًا رئيسيًا في تشكيل التحالفات الحكومية داخل العراق، فطهران لعبت أدوارًا مؤثرة في تقريب أو دعم قوى سياسية شيعية خلال أزمات تشكيل الحكومات المتعاقبة، مستفيدة من شبكة علاقاتها الواسعة داخل المشهد العراقي.

وقد انعكس ذلك في احتجاجات شعبية واسعة شهدها العراق، خصوصًا خلال انتفاضة أكتوبر 2019، حين رفع متظاهرون شعارات منددة بالتدخل الإيراني وهيمنة الميليشيات المسلحة على القرار السياسي.

وأسفرت تلك الاحتجاجات عن مقتل مئات المحتجين وإصابة الآلاف، وفق تقارير حقوقية دولية، ما عمّق الانقسام الداخلي بشأن دور الجماعات المسلحة ومستقبل العلاقة مع إيران.

في المقابل، تنفي الفصائل الموالية لإيران أنها تعمل ضد المصالح العراقية، وتؤكد أن وجودها كان حاسمًا في هزيمة داعش ومنع انهيار الدولة العراقية عام 2014.

كما تعتبر هذه الجماعات أن علاقاتها بطهران جزء من “محور مقاومة” يواجه النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.

وترى قوى سياسية عراقية مقربة من إيران أن التعاون مع طهران يمثل ضرورة جغرافية وأمنية بحكم الحدود الطويلة والمصالح المشتركة بين البلدين.

غير أن التحدي الأكبر الذي يواجه العراق يتمثل في استمرار ازدواجية السلطة بين مؤسسات الدولة الرسمية والجماعات المسلحة ذات النفوذ المستقل.

فوجود فصائل تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية وسياسية واسعة خارج السيطرة الكاملة للحكومة أضعف قدرة الدولة على فرض سيادتها واحتكارها لاستخدام القوة، كما جعل العراق أكثر عرضة للانخراط في صراعات إقليمية لا ترتبط مباشرة بمصالحه الوطنية.

ومع استمرار التوتر الإقليمي بين إيران وخصومها، تبدو الساحة العراقية مرشحة لمزيد من الضغوط السياسية والأمنية.

و يعكس النفوذ الإيراني في العراق نموذجًا واضحًا لتشابك المصالح الإقليمية بالصراعات الداخلية. فبينما تؤكد طهران وحلفاؤها أن تدخلهم ساهم في حماية العراق من داعش وتعزيز محور إقليمي مناهض للولايات المتحدة، يرى منتقدوهم أن العراق تحوّل إلى ساحة نفوذ تستخدمها إيران لتعزيز مصالحها الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، وبين هذين المسارين، يبقى العراق أمام تحدٍ مصيري يتمثل في استعادة سيادة الدولة وبناء مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار بعيدًا عن هيمنة السلاح والصراعات الإقليمية.

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى