أهم الأخبارمقالات

“الدبلوماسية بنصف ابتسامة: التحوّل الصلب في استراتيجية واشنطن تجاه إيران”

 

وسيم الاحوازي

في تطور لافت في مسار الملف النووي الإيراني، لم تعد الولايات المتحدة تُخفي انتقالها من سياسة “الصبر الاستراتيجي” إلى مقاربة هجومية محسوبة، تمزج بين ضغط اقتصادي مكثف، وإشارات صلبة إلى احتمالات التصعيد غير التقليدي. هذا التحوّل، الذي رافقه تغيير جذري في تركيبة الفريق التفاوضي الأمريكي، لا يقتصر على تبديل في التكتيك، بل يعكس تحوّلاً في فلسفة التفاوض ذاتها.

تعيين مايكل آنتون، المفكر المحافظ وصاحب نظرية “الواقعية العدوانية”، كمستشار استراتيجي ضمن الفريق التفاوضي، يُعد مؤشراً على أن واشنطن تخلت عن فكرة التفاهمات السريعة، واستعاضت عنها بمفهوم “الهندسة الاستراتيجية للردع”. بالنسبة لآنتون، القوة تُفرض لا تُتفاوَض، والاتفاقات ليست سوى أدوات لفرض الإرادة لا لتقاسم المصالح.

طهران تدخل الجولة بثلاثة مفاتيح… وواشنطن تغلق الأبواب
في المفاوضات الأخيرة، فاجأت إيران الوسط الدبلوماسي الدولي بعرض ثلاثي المراحل:
خفض مستوى التخصيب مقابل الإفراج عن الأموال المجمدة والسماح ببيع النفط.
تجميد كامل لبرنامج التخصيب في حال تعطيل آلية الزناد (Snapback).
نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى دولة ثالثة، مقابل مصادقة الكونغرس على الاتفاق النهائي ورفع شامل للعقوبات.
غير أن هذا المقترح لم يلق الترحيب المتوقع في واشنطن، خصوصاً بعد الضغوط السياسية والإعلامية التي وُجهت ضد المبعوث الأمريكي ستيفن ويتكه، والذي أبدى في البداية انفتاحاً تجاه العرض الإيراني. الجمهوريون وحلفاء إسرائيل سارعوا لاتهامه بـ”سوء تقدير نوايا طهران”، ما مهّد الطريق لتغيير حاسم في المقاربة الأمريكية.
آنتون: القوة أولاً، ثم التفاوض
مع بروز مايكل آنتون في المشهد، أصبحت الأولوية هي تحقيق أقصى قدر من الضغط في أقل وقت ممكن، لا إبرام اتفاق بأي ثمن. رؤية آنتون تقوم على مبدأ أن “إيران لا تستجيب إلا عندما ترى التهديد واقعاً”، وهي رؤية لا تضع اعتباراً كبيراً للدبلوماسية الناعمة أو المرونة التفاوضية، بل ترى أن الردع الحقيقي يبدأ من الصرامة لا من التنازلات.
في هذا السياق، جاءت حادث الإنفجار في ميناء جمبرون لتُقرأ باعتبارها جزءاً من “حرب الرسائل الرمادية”، لا مجرد حادث عرضي. الرسالة كانت واضحة: إن لم تُقدِّم طهران تنازلات ملموسة، فالتصعيد قد لا يبقى ضمن حدود الاقتصاد والسياسة.

التحول الأمريكي: من احتواء البرنامج إلى احتواء إيران نفسها
التغير لا يكمن فقط في أسماء المفاوضين، بل في منطق التفاوض الأمريكي: لم تعد واشنطن تبحث عن صفقة لاحتواء التخصيب النووي، بل تسعى لبناء “نظام ردع دائم” يضبط سلوك إيران على المستوى الإقليمي، من الخليج العربي إلى المتوسط. إنها مفاوضات لا على النطاق النووي فحسب، بل على مشروع إيران الاستراتيجي برمّته.

إيران في اختبار النضج الاستراتيجي
في المقابل، تواجه إيران لحظة فارقة: إما التعامل بواقعية مع المشهد الجديد الذي تصنعه واشنطن، وإما المضي في سياسة “إطالة الزمن”، وهي سياسة قد تكون فاعلة تكتيكياً، لكنها تزداد كلفةً استراتيجياً، داخلياً وخارجياً.
المعادلة اليوم لم تعد تدور حول كمية أجهزة الطرد المركزي أو نسبة التخصيب، بل حول من يمتلك زمام المبادرة في بيئة إقليمية ودولية متقلبة. وكلما تأخرت طهران في إعادة التموضع، زادت احتمالات تطويقها بسياسات الخنق التدريجي أو حتى استهداف البُنى التحتية الحساسة.

خاتمة: حين يصبح التفاوض واجهة لمعركة أشمل
المفاوضات النووية بين إيران والولايات المتحدة لم تعد مجرد طاولة حوار، بل تحولت إلى ساحة اختبار لإرادتين سياسيتين. من جهة، إدارة أمريكية تسعى لتثبيت نموذج صارم من الردع الذكي، ومن جهة أخرى، نظام إيراني يحاول التمسك باستقلالية قراره السيادي في ظل ضغوط متعددة الأبعاد.

الدبلوماسية الأمريكية لم تعد تبتسم بالكامل، لكنها أيضاً لم تُظهِر كل أسنانها بعد. إنها “دبلوماسية نصف ابتسامة” – ناعمة في الشكل، لكنها حادة في العمق.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تدرك طهران أن قواعد اللعبة تغيرت بالفعل؟
أم أنها لا تزال تراهن على ذاكرة تفاوض لم تعد قائمة؟

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى