
الحوثيون الجدد بالساحل.. كيف تحول إيران جبهة البوليساريو لتهديد أمن المغرب؟
في وقت ينشغل فيه العالم بأسره بإخماد الحرائق المشتعلة في الشرق الأوسط، وتتصاعد التحذيرات الدولية من انزلاق كوكب الأرض نحو مواجهات عسكرية عابرة للقارات، عاد ملف جبهة “البوليساريو” الانفصالية ليتصدر الواجهة السياسية والدبلوماسية العالمية بشكل مفاجئ ومكثف.
هذا الزخم الجديد لم يعد مجرد نزاع إقليمي تقليدي حول الصحراء المغربية طال أمده لعقود، بل تحول فجأة إلى قضية أمن قومي دولي تتقاطع فيها خيوط الاستخبارات الأمريكية مع التمدد الإيراني العابر للحدود.
التحرك الحاسم يدور اليوم داخل ردهات الكونغرس الأمريكي، حيث يتبنى مشرعون بارزون مشروع قانون يهدف إلى تصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية، استنادا إلى تقارير استخباراتية موثقة ترصد تحالفا سريا وخطيرا يربط تندوف بالحرس الثوري الإيراني وتنظيم “حزب الله” اللبناني.
هذا التحول الدراماتيكي يضع المنطقة أمام واقع أمني جديد، ويعزز المخاوف من استنساخ نموذج “الحروب بالوكالة” التي دمرت حواضر المشرق العربي، ونقلها إلى أعتاب المملكة المغربية وشمال أفريقيا، كجزء من استراتيجية طهران الممنهجة لتطويق الدول العربية وابتزاز القوى الغربية.
تحذيرات تيد كروز: صناعة “حوثيين جدد” على مشارف الأطلسي
ولم تعد هذه التحذيرات حبيسة الغرف الاستخباراتية المغلقة، بل فجرها كبار المشرعين الأمريكيين في العلن. ففي إبريل الماضي، أطلق السيناتور الجمهوري البارز، تيد كروز، تحذيرا صاعقا هز الأوساط الدبلوماسية، مؤكدا أن النظام الإيراني يعمل بشكل دؤوب ومنهجي على تحويل جبهة “البوليساريو” في منطقة غرب وشمال أفريقيا إلى نسخة كربونية وتنظيم عسكري مسلح يشبه إلى حد بعيد جماعة الحوثيين في اليمن، سواء من حيث الهيكلية العقائدية والعسكرية، أو من حيث المهام التخريبية الموكلة إليها لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
وخلال مداخلة رسمية قوية لكروز في جلسة استماع علنية عقدتها “اللجنة الفرعية المعنية بأفريقيا والسياسة الصحية العالمية” بالكونغرس، والتي خصصت لمناقشة موضوع “المقاربة الأمريكية في مكافحة الإرهاب بالقارة الأفريقية”، جدد السيناتور الجمهوري دعوته الصارمة لإلزامية تصنيف “البوليساريو” تنظيما إرهابيا بصفة مستعجلة.
وأوضح كروز أن الأدلة المتوفرة تشير إلى أن الجبهة تنخرط في تعاون وثيق مع جماعات إرهابية تابعة لإيران، وتتلقى بالفعل شحنات من الطائرات المسيرة (الدرونز) المصنعة من قبل الحرس الثوري، فضلا عن تورط عناصرها في نقل الأسلحة والموارد المالية عبر الحدود والممرات الصحراوية لصالح جماعات متطرفة عنيفة.
واسترسل كروز في كلمته قائلا: “إن هدف إيران الأساسي، كما هو الحال تماما في بقية الساحات المشتعلة بالشرق الأوسط، يكمن في تقويض الأمن وزعزعة استقرار مناطق بأكملها”.
وأشار إلى أنه تقدم بمشروع القانون لجعل هذا التصنيف إلزاميا وناجذا، إذا ما ثبت رسميا أن الجبهة تتعاون مع شبكات طهران في مجالات العمليات العسكرية الميدانية، أو تزويد أنظمة الأسلحة المتطورة، والطائرات المسيرة، أو الأسلحة المضادة للطائرات والاستخبارات العسكرية المتبادلة، معتبرا أن استيفاء هذه المعايير يجعل من تصنيفها أمرا بديهيا وضروريا لحماية الأمن القومي الأمريكي وأمن حلفاء واشنطن في المنطقة.
الخارجية الأمريكية والاستخبارات: حالة يقظة قصوى وتقارير سرية
وفي إطار نفس جلسة الاستماع بالكونغرس، ردت مونيكا جاكوبسن، وهي مسؤولة رفيعة المستوى والنائبة بمكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأمريكية، على أسئلة السيناتور كروز المقلقة المتعلقة بمستوى وطبيعة التعاون القائم بين البوليساريو والجماعات الإيرانية، بما في ذلك حزب الله والحرس الثوري.
وقالت جاكوبسن: “نحن في وزارة الخارجية نتقاسم تماما ذات المخاوف العميقة بشأن جبهة البوليساريو وتأثيراتها السلبية المحتملة في مجال مكافحة الإرهاب بالإقليم”.
وأكدت المسؤولة الأمريكية أن المنطقة الجغرافية الصحراوية الواسعة التي تنشط فيها عناصر الجبهة تقع على مسافة قريبة للغاية من مناطق ملتهبة تشهد عمليات تهريب واسعة النطاق وأنشطة مكثفة للجماعات المسلحة في الساحل والصحراء، وهو ما يفرز حالة حادة من الهشاشة الأمنية التي تسعى بلا شك أطراف خارجية، وفي مقدمتها إيران، إلى استغلالها لخدمة مصالحها وضمان موطئ قدم لها.
وأضافت جاكوبسن: “إننا نتابع الوضع الميداني هناك عن كثب شديد ونبقى في حالة يقظة تامة مستمرة إزاء هذه التهديدات الناشئة، كما أنني وزملائي نتابع بدقة كافة الادعاءات والتقارير المتعلقة بوجود روابط لوجستية أو عسكرية محتملة مع حزب الله والحرس الثوري الإيراني”.
وكشفت جاكوبسن في هذا السياق أن فرق العمل التابعة لوزارة الخارجية والمجمع الاستخباراتي الأمريكي بصدد تنظيم وإعداد إحاطة سرية مغلقة لأعضاء الكونغرس، لمناقشة هذه المخاوف والتقارير بمزيد من التفصيل الفني والمعلوماتي الممنوع تداوله في الجلسات العلنية.
وشددت على أن واشنطن منخرطة بشكل كامل على الصعيد العالمي في مواجهة التهديد الوجودي الذي يمثله الحرس الثوري الإيراني وأذرعه، مشيرة إلى مشاركتها مؤخرا في اجتماع دولي بالعاصمة المجرية بودابست ضم 35 حكومة، بحضور كبار المسؤولين من القارة الأفريقية، خصص بالكامل لبحث سبل التصدي الجماعي لشركاء إيران وأذرعها التخريبية.
من صحراء تندوف إلى معسكرات سوريا: خلفيات الموقف المغربي الصارم
وفي سياق متصل يثبت الترابط الميداني العابر للحدود، تحدثت صحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية في تقرير استقصائي سابق لها، عن قيام تجمعات عسكرية تابعة لإيران بتدريب عناصر قيادية وميدانية من جبهة البوليساريو على استخدام الأسلحة الثقيلة والمفخخات داخل الأراضي السورية خلال الأعوام الماضية مستغلة فترة حكم بشار الأسد.
فيما أفادت مصادر ميدانية متطابقة بأن السلطات السورية الجديدة (بعد التحولات السياسية الأخيرة المتسارعة في دمشق) بادرت إلى اعتقال عدد من عناصر الجبهة المتواجدين على أراضيها والتحقيق معهم بشأن طبيعة المهام والتدريبات العسكرية واللوجستية التي تلقوها.
وتجدر الإشارة إلى أن المغرب، ووعيا منه بباكر هذه التهديدات، كان قد اتخذ خطوة دبلوماسية سيادية حاسمة منذ عام 2018، عندما قرر قطع علاقاته الدبلوماسية بشكل كامل مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإغلاق سفارتها في الرباط وطرد السفير.
وجاء هذا القرار السيادي الصارم على خلفية اتهامات رسمية ومؤكدة وجهتها المملكة لطهران وتأسست على حيازتها لأدلة دامغة تثبت تورط عناصر من “حزب الله” اللبناني، وبتنسيق كامل مع السفارة الإيرانية في الجزائر، في تقديم دعم عسكري ولوجستي، وتدريب عناصر البوليساريو على حفر الأنفاق واستخدام الصواريخ المحمولة على الكتف.
كمين الممرات البحرية: السيطرة على مضيق جبل طارق
من جانب آخر، يحذر محللون استراتيجيون وخبراء عسكريون من الأبعاد الجيوسياسية الكامنة وراء تنامي الحضور الإيراني المقلق في القارة الأفريقية؛ حيث يرى هؤلاء أن طهران لا تتحرك بوعي محلي ضيق، بل تسعى لتوظيف جبهة البوليساريو كأداة وظيفية ضمن استراتيجية إيرانية كبرى وشاملة يطلق عليها الخبراء اسم “التحكم في الممرات البحرية والمضايق الحيوية عبر العالم”.
وتسعى إيران من خلال هذا المخطط إلى تكرار ذات النموذج الناجح لحضورها وتهديدها المستمر في ممرات مائية بالغة الحساسية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق هرمز في الخليج العربي، ومضيق باب المندب في البحر الأحمر عبر أذرعها الحوثية، لتصل اليوم إلى مضيق جبل طارق.
ووفقا لهذا التصور الجيوسياسي المخيف، فإن الهدف الإيراني الأبعد يتجاوز حدود النزاع الإقليمي التقليدي في الصحراء المغربية ليشمل رغبة طهران في امتلاك القدرة على التأثير المباشر والضغط على حركة الملاحة البحرية الدولية والتجارية عبر مضيق جبل طارق الاستراتيجي، الذي يربط المحيط الأطلسي بالبحر الأبيض المتوسط.
وتستند هذه القراءة الاستراتيجية المعمقة إلى ما يعتبره أصحاب الاختصاص تشابها وتطابقا تاما في أسلوب وآليات إدارة النفوذ والتمدد الإيراني في الساحات الدولية، والقائم بالأساس على رعاية ودعم حركات محلیة ذات طابع سياسي وعسكري هجين، وتطوير قدراتها التسليحية والتقنية تدريجيا عبر تزويدها بمسيرات وصواريخ دقيقة، بما يتيح لطهران تحقيق حضور ونفوذ غير مباشر وقدرة على الابتزاز السياسي في مناطق جغرافية بعيدة جدا عن حدودها البرية.
ويرى هؤلاء الخبراء أن أي تقارب حقيقي مستدام بين طهران والبوليساريو قد يفضى حتما إلى إعادة تشكيل موازين القوى الأمنية والعسكرية في منطقة شمال أفريقيا، وهي المنطقة التي ظلت تقليديا وتاريخيا خارج دائرة النفوذ والمد الإيراني.
ويحذر الخبراء من أن هذا السيناريو الخطير، إذا ما تعززت مؤشراته الميدانية على الأرض ولم يتم لجمه عبر تحركات قانونية دولية كالتي تجري حاليا في الكونغرس الأمريكي، قد يفتح الباب على مصراعيه أمام اختراقات أمنية وعسكرية مرعبة تهدد استقرار المنطقة برمتها، وتتيح لشبكات التسليح غير الشرعي والتمويل المالي المشبوه والتدريب العسكري العابر للحدود والمرتبط بأجندات خارجية معادية، التمدد بشكل يصعب السيطرة عليه مستقبلا، مما يجعل من دعم المقاربة المغربية وتصنيف الجبهة كمنظمة إرهابية خطوة أولى لحماية أمن المتوسط والأطلسي.



