
الحوار الأميركي – الإيراني… تسويق للإنجازات أم التنازلات؟
تبادل التهديد يوحي بأن الطرفين لا يرغبان بالحرب ولكنهما يستمتعان بالسير على حافتها وتحسين مواقف مفاوضيهما
حسن فحص
على رغم عدم تراجع احتمالات الحرب بشكل واضح، عقدت الجولة الثانية من المفاوضات الأميركية – الإيرانية في مدينة جنيف السويسرية، وتوحي المؤشرات الأولى التي صدرت عنها بأن طرفي الحوار يعملان بوضوح على تدوير الزوايا والمواقف من أجل الوصول إلى نقطة وسط تكون منطلقاً لبناء مسار حقيقي للتفاهم والاتفاق.
الموقف الأميركي ما زال ممسكاً بورقة أو خيار الحرب، ولا يتردد في التلويح بنقله من الطاولة الجانبية إلى الطاولة الرئيسة للحوار، في حين أن المفاوض الإيراني يجلس إلى الطاولة وعينه على الناحية حيث تطل الحرب برأسها، ويسابق الضغوط التي تمارس على المفاوض الأميركي من أجل الوصول إلى مرحلة الحسم.
وفي الوقت الذي سارع الفريق الإيراني للإعلان عن إيجابية جولة التفاوض الجديدة، وأن نتائجها كانت أفضل من الجولة السابقة، وأنه سيبدأ العمل على بلورة ورقة تتضمن الرؤية الإيرانية لما سيكون عليه الاتفاق وما يتضمه من بنود وآليات، فإننا بانتظار الرؤية الأميركية، على أن تشكل الجولة المقبلة أو الثالثة نقلة نوعية تؤسس لتفاهم نهائي يفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من التعاون بين الطرفين حول ملفات أخرى.
استمرار التحشيد الأميركي العسكري باتجاه منطقة الشرق الأوسط يوحي بأن واشنطن ما زالت تعطي الخيار العسكري أهمية في التعامل مع إيران، وإمكانية اللجوء إليه وإخراجه من دائرة الضغط والتهديد إلى دائرة الفعل والعمل في أية لحظة يشعر فيها الرئيس دونالد ترمب بوجود نوايا إيرانية لممارسة كثير من التصلب وعدم التعاون ورفض التسوية حول الخطوط والشروط التي وضعها لأي اتفاق مع طهران.
في المقابل، فإن الجانب الإيراني، ومع تأكيد استمرار الجاهزية الكاملة لقواته المسلحة وأن يدها على الزناد، يذهب إلى طاولة التفاوض بكثير من الرغبة في التوصل إلى اتفاق جديد ينهي فيه حال الاستنفار والتصعيد من جهة، ويفتح الطريق أمام التفاهم على آليات تنهي العقوبات الاقتصادية والحصار الذي ترزح إيران تحته. وهذا ما يفسر الخطوة الإيرانية بتوسيع الفريق المفاوض ليضم خبراء في المسائل الاقتصادية والقانونية.
لكن اللافت في الأجواء التي رافقت الجولة الثانية للمفاوضات، ظاهرة “الثنائيات” السياسية والتفاوضية وصولاً الى تبادل المواقف والتهديد. ولعل الأبرز في هذه الثنائيات ما أفرزه الثلاثاء التفاوضي المفصلي من ثنائية “خامنئي – ترمب”، وتبادل التهديد بحاملات الطائرات من قبل ترمب، والصواريخ التي تغرق هذه الحاملات من جهة خامنئي. ما يوحي بأن طرفي هذه الثنائية لا يرغبان بالحرب، ولكنهما يستمتعان بالسير على حافتها وتحسين شروط ومواقف مفاوضيهما على طاولة الحوار.
والثنائية الأميركية الثانية يمثلها فريق التفاوض ستيف ويتكوف – جاريد كوشنر. فالأول الذي يعتبر الأساس في التفاوض يعرف تفاصيل المواقف في مفاوضات عام 2025 والضربة العسكرية التي انتهت إليها، في حين أن الثاني يعزز البعد الاقتصادي المحتمل للمفاوضات. إضافة إلى أنه قد يلعب دوراً مطمئناً لأطراف إقليمية (تل أبيب) لا ترغب في أية تسوية مع النظام الإيراني من دون ضربة لكل قدراته النووية والصاروخية والإقليمية.
لكن ثنائي هذا الفريق يمثل إضافة إلى البعد السياسي في التفاوض، البعد الاقتصادي، وهذا ما يفسر الخطوة الإيرانية بإشراك فريق اقتصادي في صفوفه، إذ يحاول المفاوض الإيراني الانتقال هذه المرة إلى مستوى أكثر جدية في التعاون مع رغبات الرئيس الأميركي، وعدم حصر التفاوض في هدف الوصول إلى تفاهم حول الأزمة النووية، بل الانتقال إلى ما هو أبعد والتأسيس لمرحلة جديدة من التعاون وبناء الثقة، وذلك من خلال الحديث عن فتح المجالات الاقتصادية أمام الاستثمارات الأميركية داخل إيران، بحسب توصيف نائب وزير الخارجية الإيرانية للشؤون الدبلوماسية الاقتصادية حميد قنبري.
هذا يعني أن المفاوض الإيراني سيضع أمام نظيره الأميركي مسألة “المصالح المشتركة” في مجالات النفط والغاز والاستثمارات وما يرتبط بقطاع الطيران” كمحفزات من أجل تسريع التفاهم. خصوصاً أنها المرة الأولى التي يتحدث فيها طرف إيراني علانية عن “مصالح مشتركة” بين الطرفين، وضرورة أن تتمكن أميركا من الاستفادة من قطاعات ذات عوائد اقتصادية مرتفعة وسريعة.
إضافة إلى هذه المحفزات، فإن الفريق الإيراني يحاول الإيحاء عبر تصريحات المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي بحاجة إيران لهذا الاتفاق من أجل إنهاء العقوبات وإعادة عجلة التنمية وإخراج الاقتصاد الإيراني من الأزمات التي يواجهها. وقد تهدف هذه المواقف إلى توجيه رسائل للجانب الأميركي برغبة طهران في إنهاء حال العداء والانتقال إلى تعاون سريع. ولكنها في واقعيتها تكشف حجم التحديات الداخلية التي يواجهها النظام في الداخل الذي بات كالنار تحت الرماد، وقد ينفجر في أية لحظة بأسوأ من الانفجار الذي شهدته البلاد قبل 40 يوماً. بالتالي يجري تسويق الاتفاق أمام الداخل المحتقن على أنه إنجاز يسعى لتلبية المطالب الشعبية والاقتصادية وإنهاء حال العداء مع الخارج والانتقال إلى مرحلة جديدة من الانفتاح والتعاون الذي يعيد الأولويات الإيرانية الداخلية إلى صدارة اهتمامات النظام والسلطة.
ولعل الثنائية الأبرز وقد تكون الأخطر على الناحية الإيرانية، هي ثنائية علي لاريجاني – عباس عراقجي، فالأول باعتباره أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي يشكل المظلة الاستراتيجية للمسار التفاوضي، في حين أنيط بعراقجي العملية التنفيذية. مما جعل لاريجاني بحكم ارتباطه بالمرشد الأعلى للنظام الجهة التي ترسم مسار التنازلات والاتجاهات التي سيكون عليها الموقف الإيراني في التفاوض. فعنه صدرت إشارة الانفتاح على الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وترجمها عراقجي في لقاء مع مدير الوكالة رافايل غروسي، بما يعنيه ذلك من عبور على كل المحاذير والاتهامات للدور الذي لعبه غروسي، وما نتج منها من قوانين في البرلمان الإيراني تعيد تعريف العلاقة مع الوكالة.
ولاريجاني هو الطرف الذي تسلم ورقة النقاط الأميركية من الوسيط العماني خلال زيارته لمسقط، بالتالي هو الذي يقوم برسم مسار التنازلات التي سيقدمها النظام في المجال النووي بحيث يصبح من السهل الالتقاء مع شروط ترمب في منتصف الطريق، على أن تنطلق هذه التنازلات بناء على ما أكد غروسي من حق إيران في امتلاك دورة تخصيب، وهو حق سيعلق بالتفاهم مع واشنطن، إلا أن الخلاف قد يدور حول مدة هذا التعليق، وهل سيكون لثلاث سنوات ونهاية عهد ترمب أم سيفرض لأكثر من 10 سنوات بناء على رغبة تل أبيب. وبعدها يصبح مصير مخزون اليورانيوم المخصب خاضعاً لآلية التوافق بين تصديره إلى الخارج كما في اتفاق عام 2015، أو تخفيفه والاحتفاظ به تحت رقابة مشددة أميركية ومن الوكالة الدولة. وهي آليات ستسمح للنظام وقياداته بتسويقها مع رفع العقوبات على أنها إنجاز استراتيجي أبعد شبح الحرب وحافظ على الحق النووي وأنهى العقوبات الاقتصادية.
نقلا عن اندبندنت عربية



