
الحكومة اللبنانية في مواجهة إيران
مجلس الوزراء يقر 11 بنداً كمدخل لإعادة بناء الدولة التي لم ير منها أنصار إيران سوى نزع سلاحهم
طوني فرنسيس
يفترض أن تكون قرارات الحكومة اللبنانية الأخيرة في الخامس والسابع من أغسطس (آب) الجاري مدخلاً افتقده لبنان طويلاً لاستعادة السلطة الشرعية سيطرتها على أراضيها، باعتبارها المرجعية الوحيدة لمواطنيها في حالي السلم والحرب وفي إدارة شؤونهم، وقيمة تلك القرارات لا تنحصر في نقطة حصر السلاح بيد الشرعية فقط، فالبنود التي جرى الاتفاق عليها، على رغم انسحاب وزراء يمثلون “حزب الله”، تتخطى مسألة تسليم “حزب الله” المدعوم من إيران سلاحه للجيش اللبناني واندماجه في الحياة السياسية الطبيعية لبلد يمتاز بتنوع وتعدد طوائفه وأحزابه، إلى مشروع أكبر بكثير قوامه البدء بإعادة ترميم وبناء الدولة اللبنانية، كياناً وأرضاً وحدوداً وسيادة واستقلالاً واقتصاداً وإعادة للإعمار.
وتضمنت قرارات الحكومة اللبنانية المتخذة في جلستي الأسبوع الأول من أغسطس الجاري البنود التالية:
1- تنفيذ لبنان وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بـ “اتفاق الطائف” والدستور اللبناني وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمها القرار رقم (1701) واتخاذ الخطوات الضرورية لبسط سيادته بالكامل على جميع أراضيه، بهدف تعزيز دور المؤسسات الشرعية وتكريس السلطة الحصرية للدولة في اتخاذ قرارات الحرب والسلم، وضمان حصر حيازة السلاح بيد الدولة وحدها في جميع أنحاء لبنان.
2 – ضمان ديمومة وقف الأعمال العدائية بما في ذلك جميع الانتهاكات، من خلال خطوات منهجية تؤدي إلى حل دائم وشامل ومضمون.
3 – الإنهاء التدرجي للوجود المسلح لجميع الجهات غير الحكومية، بما فيها “حزب اللّه”، في الأراضي اللبنانية كافة، جنوب الليطاني وشماله، مع تقديم الدعم للجيش وقوى الأمن الداخلي.
4 – نشر الجيش اللبناني في المناطق الحدودية والمواقع الداخلية الأساس مع الدعم المناسب له وللقوى الأمنية.
5 – انسحاب إسرائيل من “النقاط الخمس” وتسوية قضايا الحدود والأسرى بالوسائل الدبلوماسية عبر مفاوضات غير مباشرة.
6 – عودة المدنيين في القرى والبلدات الحدودية إلى منازلهم وممتلكاتهم.
7 – ضمان انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف جميع الأعمال العدائية، بما في ذلك الانتهاكات البرية والجوية والبحرية.
8 – ترسيم دائم ومرئي للحدود الدولية بين لبنان وإسرائيل.
9 – ترسيم وتحديد دائم للحدود بين لبنان وسوريا.
10 – عقد مؤتمر اقتصادي تشارك فيه الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية وقطر وغيرها من أصدقاء لبنان لدعم الاقتصاد اللبناني وإعادة الإعمار، ليعود لبنان بلداً مزدهراً وقابلاً للحياة، وفق ما دعا إليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
11 – دعم دولي إضافي للأجهزة الأمنية اللبنانية، ولا سيما الجيش، عبر تزويدها بالوسائل العسكرية الملائمة لتنفيذ بنود الاقتراح وضمان حماية لبنان.
ومن بين البنود الـ 11 يتحدث البند الثالث عن “الإنهاء التدرجي” للوجود المسلح لـ “حزب الله” والمنظمات الأخرى على الأراضي اللبنانية كافة، فيما تتحدث البنود الـ 10 الأخرى عن مطالب تمثل في عمقها جوهر المصالح الوطنية العليا للبنان، وربما لأي بلد يريد الإمساك بمصيره بيديه، ويؤكد مجلس الوزراء اللبناني في قراراته التي ينتظرها اللبنانيون منذ عقود التمسك بتنفيذ وثيقة الوفاق الوطني المقرة في الطائف قبل 36 عاماً، والتي وضعت حداً للحرب الأهلية وأسست لتعديلات دستورية أُقرت منذ أكثر من ثلاثة عقود، ويتمسك المجلس بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية بما فيها القرار رقم (1701)، وانسحاب إسرائيل الكامل وترسيم الحدود معها وكذلك مع سوريا، ووقف شتى أنواع الانتهاكات الإسرائيلية براً وبحراً وجواً، وبعودة المواطنين لقراهم الحدودية واستعادة أسرى “حزب الله” وإعادة الإعمار بدعم صريح من أميركا ودول عربية فاعلة، وفي كل ذلك يعزز دور الجيش وسلطته على الحدود وفي الداخل حيث تقتضي الحاجة.
“حرب السلاح”… نهاية حرب لبنان
ومن كل هذا البرنامج الوطني الطموح لم ير “حزب الله” وقلة تدور في فلكه سوى مسألة تخليه عن سلاحه، وكأن السلاح أمر قائم بذاته خارج المكان والزمان، وبعض المتحدثين باسم هذا الحزب اشترطوا للتخلي عن السلاح ظهور المهدي، وبعضهم الآخر اشترط إذناً من الإمام علي، أما رئيس كتلة الحزب النيابية فقد ذهب بعيداً لينصح رئيس الجمهورية والحكومة “بتبليط البحر”، بعد أن كان قبل أكثر من عقد دعا الموقعين على “إعلان بعبدا” الذي اعتمده مجلس الأمن الدولي والخاص بضبط الميليشيات، دعا أصحاب الإعلان، وهو بين موقعيه، إلى “نقعه وغليه وشرب مياهه”.
لكن سرعان ما ظهر أن مواقف قادة الحزب ليست إلا ترجمة لموقف النظام الإيراني في طهران، ففي الأساس ليس لدى الحزب ما يشهره إلا سلاحاً وتمويلاً إيرانيين، والقرار في شأن هذا السلاح وحزبه إنما تتخذه إيران ومرشدها، وليس في ترداد قول ذلك أي افتئات على ممثلي الحزب المذكور ولا على رعاته، فالجميع يردد مقولة تبعيته المرجعية الإيرانية، وفي الطليعة منهم أمينه العام الراحل حسن نصرالله وخلفه نعيم قاسم، لكن في اللحظة السياسية الجديدة حيث يحاول لبنان الخلاص من إرث الحروب المفتعلة والدمار الاقتصادي الشامل، وهو ما تسببت به إيران وشللها في لبنان والمنطقة، تتنطح القيادة الإيرانية لتحاول إعادة الإمساك بأوراق صنعتها للدفاع عنها في يوم من الأيام، وهي الآن تستميت للإبقاء عليها أملاً بمفاوضات مع الغرب في شروط تضمن الحد الأدنى مما بقي من عناصر قوة المحور الإيراني.
تحدثت الصحف الإيرانية عن احتمال بدء مفاوضات غير مباشرة بين إيران وأميركا تنطلق هذا الشهر برعاية نروجية، وفيما لم يؤكد الآخرون هذا الاحتمال لكن من الواضح أن طهران ترغب في ذلك بشدة بعد الضربات التي تلقتها في يونيو (حزيران) الماضي، وبعد التطورات الدراماتيكية الأخيرة في محيطها، من زيارة رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع إلى تركيا ثم أذربيجان وإقرار اتفاق أنبوب الغاز من هذه الدولة إلى سوريا عبر تركيا، ثم رعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا عشية الإعلان عن قمة تاريخية ستجمع ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجمعة المقبل في ألاسكا، ولم تجد طهران في كل ذلك إلا تطويقاً لها من القوقاز، مثلما اعتبرت أن ما جرى في “غرب آسيا” تطويق لها من الغرب، وفي الحقيقة فإن النظام الإيراني المطرود من سوريا والذي يواجه الآن تحولات عميقة في القوقاز تضعه في مواجهة مباشرة مع تركيا وأذربيجان، وسط تجاهل روسي واستعداد أميركي – روسي لاتفاقات تبدأ في أوكرانيا وتمتد إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك إيران نفسها، وهذا النظام يعيش لحظات متوترة قوامها الخوف على مستقبله، ولذلك فإن الجنون الذي أصابه نتيجة قرارات الحكومة اللبنانية المدعومة من ترمب مباشرة ومن العمقين العربي والدولي للبنان مفهوم، لكن لا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال ويستدعي رداً واضحاً من السلطات اللبنانية قد يصل إلى قطع العلاقات مع نظام لا يقيم اعتباراً أو احتراماً للدول الأخرى، وقد كان مستشار خامنئي، علي أكبر ولايتي، شديد الصراحة والوقاحة بعد وزير الخارجية عباس عراقجي، في رفض سعي لبنان إلى أن يكون دولة طبيعية، فلقد رفض عراقجي نزع سلاح “حزب الله” لكن ولايتي اعتبره قراراً من “بعض الأطراف” وكأن الحكومة غير موجودة، وهو “سيفشل و’حزب الله’ سيحمي نفسه”، ولن يكون هناك “جولاني آخر في لبنان”.
يصعب التفكير بتقبل أي فريق في لبنان للموقف الإيراني، فطهران تسعى إلى التفجير في لبنان ومنع قيام الدولة بمؤسساتها وقوانينها، وسلوكها هذا يلتقي تماماً سلوك إسرائيل في غزة، فلقد دعمت الدولة العبرية في الماضي “حماس” للقضاء على احتمال الدولة الفلسطينية، وها هي إيران تتمسك بالميليشيات ضد الدولة اللبنانية وهو ما أرادته منذ إطلاقها مشروعها العسكري المذهبي في لبنان.
نقلا عن اندبندنت عربية



