
الحرب الصاروخية الثانية بين إيران وإسرائيل
طهران ليس لديها الوقت لإعادة تكوين قواتها الجوية ولكنها حصلت على الوقت المطلوب لتبني أسطولاً صاروخياً جديداً بمساعدة الصين وروسيا
وليد فارس
إن حدثت الحرب الصاروخية الثانية بين إيران وإسرائيل، فستكون من نوع آخر لم تشهد له المنطقة مثيلاً، ولن تكون نتائجها كنتائج أي حرب شهدها الإقليم من قبل. فلنستعمل قدراتنا التحليلية الاستراتيجية لاستشراف بعض السيناريوهات الممكنة، في سباق مع الذكاء الاصطناعي إلى حد ما.
وهناك عدة مقاربات تعتمد على ما جرى في الصيف الماضي، خلال حرب الـ12 يوماً بين إسرائيل وإيران، والضربات المتبادلة، والدور الأميركي، والوساطة القطرية، والضربة القاضية التي وجهها الرئيس دونالد ترمب إلى المشروع النووي الإيراني. والسؤال الآن هو: إن تراكمت ظروف جديدة لمواجهة بين الخصمين الإقليميين، كيف يمكن أن تتطور، وما هي التحركات المنتظرة، ومن سيخرج منتصراً؟
في البداية نتساءل: من سيبدأ إن حصل هكذا سيناريو؟ وهو أصعب الأسئلة، لأن هكذا افتراض يُبنى على دروس الماضي وأهداف المستقبل سوية. لذا فالتساؤل الأول هو حول قدرة الطرفين على أن يستفيدا من دروس حرب الصيف.
إسرائيل أدركت تماماً أن إيران بات بإمكانها أن ترد استراتيجياً بواسطة الصواريخ الاستراتيجية المتعددة، وأن تُحل الدمار في المدن والبلدات الإسرائيلية، والأهم أن القوة الصاروخية الإيرانية باتت قادرة على تغطية كامل الأراضي الإسرائيلية، وحتى من دون إسناد من بطاريات “حزب الله” و”حماس” والحوثيين.
وعلى رغم من أن القوة العسكرية الإسرائيلية تمكنت من تسديد ضربات قاسية في طول وعرض الهلال الخصيب وإيران، فقد تكشف أن مساحة الدولة العبرية باتت مكشوفة أمام القوة النارية الاستراتيجية للجمهورية الإيرانية. لذا فإن الفكر الاستراتيجي الإسرائيلي لا يمكنه التعايش مع احتمال إعادة تركيب وتعزيز وتلقيم الترسانة الصاروخية الإيرانية، من دون شك، خصوصاً بعد أن رأى الشعب الإسرائيلي والرأي العام الأميركي الانفجارات في تل أبيب وحيفا.
من هنا يمكن الاستخلاص بأن القيادة العسكرية تراقب وتقيم قدرة النظام الإيراني على إعادة تنظيم سلاحين: الأول هو شبكة الصواريخ المضادة للطائرات، وثانياً إعادة نصب صواريخ بالستية أكثر تطوراً. لذا فإن خرقت طهران الخطين، فقد تباشر إسرائيل بعمل ما.
إيران تعدم رجلا اتهم بالتجسس لإسرائيل
القيادة الإيرانية تعرف ذلك وتتهيأ له، ومقاربتها لهذا التحدي شبه معكوسة لعدوها. فالخمينيون يدركون أن إسرائيل ستشن حرباً عليهم إن طوروا دفاعاتهم، ولكن النظام يخشى استمرار اللاتوازن الاستراتيجي، لأن ذلك سيضعف موقفهم حيال الدول العربية التي تصعد في تسليحها، وحيال إدارة الرئيس ترمب التي تضغط على طهران لتقبل بتسوية تحد من قدراتها.
999.jpg
موقع متضرر بعد هجوم صاروخي من إيران على إسرائيل في 16 يونيو 2025 (رويترز)
والسبب الحقيقي وراء الرفض الإيراني هو القلق من استئساد المعارضة الشعبية داخل إيران، وتجرؤها على تجديد الانتفاضة ضد الحكام. من هذه الزاوية، يخشى “الحرس الثوري” من أن تقوم إسرائيل بحملة غارات جوية مباغتة على الدفاعات الجوية الإيرانية، وبعدها على الصواريخ، والأخطر بعد ذلك على مواقع “الباسدران” و”الباسيج”، كما حدث في الأيام الأخيرة لحرب الصيف الماضي.
وكما أسلفنا سابقاً، فقد ركز سلاح الجو الإسرائيلي على قصف مراكز الميليشيات الشعبية التابعة للنظام، التي تمسك بالشارع وتضرب المتظاهرين. وكانت وزارة الدفاع في تل أبيب على وشك أن تدمر أكثرية مراكز “الباسيج”، لو لم تطلب إدارة ترمب أن تلتزم وقف إطلاق نار.
وكانت طهران قد توسلت بعض الدول العربية لتتوسط بينها وبين واشنطن للضغط على إسرائيل كي توقف الغارات على الميليشيات، التي كانت لتنهار لو استمر القصف الجوي عليها، ومع انفراط “الباسيج” لكان دخل النظام في مرحلة فوضى ربما أدت إلى انهياره. لذا يمكن القول إن مفاوضي الإدارة، بسبب شغفهم بالتوصل إلى صفقة مع إيران، أنقذوا النظام من السقوط.
فمرت أشهر من دون التوصل إلى أي تفاهم حول اتفاق مع إيران، إلا أن النظام استفاد من لجم إسرائيل، فباشر بإعادة التسليح والتطوير والتحديث لأسلحته الاستراتيجية، مما يدفع إسرائيل إلى التحضير لاحتمال توجيه ضربة جوية.
إيران ليس لديها الوقت لإعادة تكوين قواتها الجوية، ولكنها حصلت على الوقت المطلوب لتبني أسطولاً صاروخياً جديداً بمساعدة الصين وروسيا، وإلى حد ما كوريا الشمالية. وتبقى مسألة التوقيت، وقد باتت لعبة كثيرة العقد بين الحكومتين.
فإسرائيل غير قادرة على الانتظار الطويل بسبب توسع التشكيلات الصاروخية الإيرانية، وهي سهلة الحصول عليها عبر شرقي إيران وشمالها. وطهران تسعى إلى الحصول على أطول مرحلة ممكنة لتهيئة نفسها لإتمام إقامة قوتها الردعية، وإضعاف المعارضة الداخلية.
ولكن الملالي قد يقررون ضربة استباقية لمنع ضربة استباقية إسرائيلية على الجمهورية. حكومة نتنياهو ستستهدف الصواريخ الإيرانية، وصواريخ خامنئي ستستهدف منصات إطلاق الصواريخ الإسرائيلية ومطاراتها؛ حلقة دمار مستديرة ومقفلة.
الطرفان بإمكانهما أن يشعلا الحرب الجديدة أو عدم تفجيرها، إلا أن هكذا حرب سيكون لها نتائج ومفاعيل عديدة وخطرة، ليس فقط على البلدين، بل على محيطهما، وعلى دول أخرى، وقطعاً على سياسة الولايات المتحدة الخارجية، وربما على سياستها الداخلية وانتخابات الكونغرس.
وللموضوع صلة، وحلقات آتية.
نقلا عن اندبندنت عربية



