
الجغرافيا والموارد المائية وأثرها على تطور الحضارات: الاحتلال الإيراني للأحواز نموذجًا
حسين علي الأحوازي
منذ بدء الخليقة، فرضت التحدياتُ البيئيةُ على الإنسان ضرورةَ تنظيم الموارد واعتماد الجهد الجماعي لضمان البقاء وتحسين جودة الحياة. وفي هذا الإطار، تُعتبر التضاريسُ الطبيعيةُ – من صحارى وغابات وأنهار – عاملاً جوهريًّا في تشكيل أنماط الدفاع والعلاقات الإنسانية، حيث تنعكس المخاطرُ والفرصُ الناتجة عن التفاعل مع البيئة على التنمية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمعات.
لا تقوم الحضاراتُ إلا بجهود إنسانية متكاملة تعتمد على اكتساب المعرفة ووضع القوانين الاجتماعية. ويبرز هنا تساؤلٌ مركزيٌّ: كيف تُدير المجتمعاتُ مواردَها عبر التعاون الجماعي لمواجهة الكوارث الطبيعية والتهديدات الخارجية؟ خذ مثالًا بناءَ مدينةٍ على ضفاف نهر، الذي يستلزم استثماراتٍ ضخمةً في إدارة المياه والغذاء، حيث تُحدِّد الجغرافيا والسكان أولويات البقاء والتطور.
في المناطق الغنية بالمياه، تظهر أنظمةٌ اجتماعيةٌ متقدمةٌ تعتمد على قوانين عادلة لتوزيع الموارد والوقاية من الفيضانات، مما يُعزِّز ظهور مراكز تعليمية واقتصادية تدعم التماسك المجتمعي. بينما تفرض البيئاتُ القاسيةُ – كالصحارى – هياكلَ اجتماعيةً هشَّةً تتمحور حول الصراع للبقاء، مما يعيق التطور الحضاري.
غير أن هذه الديناميكيات الطبيعية قد تشهد تشويهًا بسبب التدخلات الخارجية، كما في حالة الاحتلال الإيراني للأحواز، الذي حوَّلَ منطقةً ذات تاريخٍ عمرانيٍ وحضاريٍ عريقٍ إلى ساحةٍ للقمع. فبدلًا من استثمار الثروة المائية للأحواز (كأنهار كارون والكرخة) في التنمية، حوَّل النظامُ الإيراني هذه المواردَ إلى أداةٍ للهيمنة عبر سياسات التهجير القسري وتجفيف الأراضي، مما أدى إلى تدمير النسيج الاجتماعي والاقتصادي للأهالي، واستبدالهم بمستوطنين.
هكذا تحوَّلت الجغرافيا من حاضنٍ للحضارة إلى أداةٍ للصراع، حيث استُخدمت المواردُ الطبيعيةُ كسلاحٍ لإخضاع الشعب الأحوازي عبر:
1. *مصادرة الأراضي الخصبة* وتوزيعها على المستوطنين.
2. *تحويل مسارات المياه* لصالح المدن الإيرانية على حساب الزراعة الأحوازية.
3. *طمس الهوية الثقافية* بتغيير الأسماء الجغرافية العربية وفرض المناهج الفارسية.
ليست العلاقةُ بين الجغرافيا والموارد المائية والأنظمة الاجتماعية حتميةً، بل هي نتاجٌ لإرادة الإنسان وقدرته على التعاون أو الهيمنة. فكما نجحت دولٌ كهولندا في تحويل التحديات الجغرافية إلى فرصٍ للابتكار، كان يمكن للأحواز أن تكون نموذجًا للتكامل الحضاري لولا سياسات النظام الإيراني التي حوَّلت نعمةَ المياه إلى نقمةٍ مدمرة.