أهم الأخبارتقارير

التوترات الإيرانية وزعزعة أسواق الطاقة العالمية: كيف تحولت الجغرافيا السياسية إلى عامل ضغط على أمن الطاقة الدولي؟

 

تُعد أسواق الطاقة العالمية من أكثر القطاعات حساسية تجاه التوترات الجيوسياسية، ويبرز الملف الإيراني بوصفه أحد أبرز العوامل المؤثرة في استقرار هذه الأسواق خلال العقود الأخيرة. ولهذا فإن أي تصعيد سياسي أو عسكري مرتبط بطهران ينعكس بصورة مباشرة على أسعار النفط والغاز، ويثير مخاوف المستثمرين والدول المستهلكة بشأن أمن الإمدادات واستقرار الأسواق.

ازدادت أهمية هذا الملف خلال السنوات الأخيرة مع تصاعد التوترات بين إيران والولايات المتحدة، وتنامي المواجهات غير المباشرة بين إيران وعدد من القوى الإقليمية، إضافة إلى الهجمات التي استهدفت منشآت نفطية وسفناً تجارية في الخليج .

وقد أدى ذلك إلى ترسيخ قناعة لدى العديد من الحكومات الغربية والمؤسسات الاقتصادية الدولية بأن السلوك الإيراني أصبح أحد أبرز مصادر عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية.

وتمر عبر مضيق هرمز يومياً ما بين 20 و21 مليون برميل من النفط والمشتقات النفطية، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وهو ما يمثل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية. كما يمر عبره جزء كبير من صادرات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر، التي تعد من أكبر مصدري الغاز المسال في العالم. وبالتالي فإن أي تهديد للملاحة في هذا الممر الحيوي يثير فوراً مخاوف الأسواق بشأن احتمال حدوث اضطرابات واسعة في الإمدادات العالمية.

على مدار السنوات الماضية، ارتبط اسم إيران بعدد من الأزمات التي أثرت بشكل مباشر على حركة الطاقة الدولية. ففي عام 2019 تعرضت عدة ناقلات نفط لهجمات في خليج عمان قرب مضيق هرمز، واتهمت الولايات المتحدة وحلفاؤها طهران بالمسؤولية عنها، وهو ما نفته إيران.

وفي العام نفسه تعرضت منشآت شركة أرامكو السعودية، أكبر شركة نفط في العالم، لهجوم أدى إلى تعطيل نحو 5.7 ملايين برميل يومياً من الإنتاج السعودي مؤقتاً، أي ما يعادل قرابة 5% من الإمدادات العالمية آنذاك. وقد تسبب ذلك في أكبر قفزة يومية لأسعار النفط منذ عقود، حيث ارتفع خام برنت بأكثر من 14% خلال جلسة تداول واحدة.

لا يقتصر تأثير التوتر الإيراني على المخاطر الأمنية المباشرة، بل يمتد إلى العامل النفسي الذي يحكم سلوك الأسواق المالية. فأسعار النفط لا تتأثر فقط بالكميات المنتجة أو المفقودة فعلياً، وإنما أيضاً بتوقعات المستثمرين بشأن المخاطر المستقبلية.

ولذلك غالباً ما تؤدي التصريحات الإيرانية المتعلقة بمضيق هرمز أو التحذيرات المرتبطة بالمواجهة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى ارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية المضافة إلى أسعار الطاقة، حتى في غياب تعطيل فعلي للإمدادات.

وتشير تقارير مؤسسات مالية دولية إلى أن احتمالات إغلاق مضيق هرمز أو تعطل الملاحة فيه تمثل أحد أكبر السيناريوهات التي تثير القلق لدى أسواق الطاقة.

فالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي حذرا في مناسبات مختلفة من أن أي اضطراب واسع النطاق قد يؤدي إلى موجات تضخم عالمية جديدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز.

ويكتسب هذا التحذير أهمية خاصة بعد الصدمات التي شهدتها الأسواق العالمية عقب الحرب الروسية الأوكرانية، والتي أظهرت مدى ارتباط أسعار الطاقة بمعدلات التضخم والنمو الاقتصادي حول العالم.

في المقابل، تدعي إيران أن وجودها في الخليج يهدف إلى حماية الأمن الإقليمي وأنها لا تسعى إلى تعطيل التجارة الدولية. كما ترى القيادة الإيرانية أن الضغوط والعقوبات الغربية هي التي دفعتها إلى تبني سياسات أكثر تشدداً في بعض الملفات. وتؤكد طهران أن أمن الملاحة البحرية يجب أن يكون مسؤولية دول المنطقة وليس القوى الخارجية.

غير أن عدداً من الحكومات الغربية والعربية يطرح رؤية مختلفة. فالولايات المتحدة، التي تحتفظ بوجود عسكري دائم في الخليج لحماية طرق التجارة الدولية، تعتبر أن التهديدات المتكررة بإغلاق مضيق هرمز واستخدام الجماعات المسلحة الحليفة لإيران في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط يشكلان عاملاً رئيسياً في زعزعة استقرار أسواق الطاقة.

كما ترى دول خليجية منتجة للنفط أن استمرار التوترات المرتبطة بالسياسات الإيرانية يرفع تكاليف التأمين والشحن البحري ويزيد من المخاطر التشغيلية التي تواجه شركات الطاقة العالمية.

وتنعكس هذه التوترات أيضاً على قرارات الاستثمار طويلة الأجل. فشركات النفط والغاز العالمية تفضل العمل في بيئات مستقرة سياسياً وأمنياً، بينما تؤدي الأزمات المتكررة إلى زيادة حالة عدم اليقين.

وقد دفع ذلك العديد من الدول المستهلكة للطاقة إلى تسريع جهود تنويع مصادر الإمدادات وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة في الخليج.

كما استثمرت دول منتجة مثل السعودية والإمارات في خطوط أنابيب بديلة تقلل الاعتماد على مضيق هرمز في تصدير جزء من إنتاجها.

ومن الناحية الاقتصادية الأوسع، فإن أي ارتفاع حاد ومستدام في أسعار الطاقة ينعكس على تكاليف النقل والصناعة والإنتاج الزراعي، ما يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم عالمياً.

وقد أظهرت تجارب السنوات الماضية أن الأسواق الناشئة والدول المستوردة للطاقة هي الأكثر تضرراً من هذه التقلبات، نظراً لاعتمادها الكبير على واردات النفط والغاز لتلبية احتياجاتها الاقتصادية. و لا يقتصر تأثير التوترات الإيرانية على حدود إيران أو منطقة الخليج، بل يمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله عبر أسواق الطاقة.

 

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى