أهم الأخبارتقارير

اقتصاد تحت الضغط: كيف ساهمت الاختلالات الإدارية في تفاقم الفقر والبطالة في إيران

 

تواجه إيران في السنوات الأخيرة تحديات اقتصادية متراكمة انعكست بوضوح على مستويات الفقر والبطالة، في ظل مزيج معقد من العقوبات الدولية والاختلالات الهيكلية الداخلية.

وبينما تُعزى بعض هذه الأزمات إلى الضغوط الخارجية، يبرز عامل الإدارة الاقتصادية كعنصر حاسم في تفسير عمق الأزمة واستمرارها.

فقد أدى ضعف كفاءة السياسات العامة، وتذبذب القرارات الاقتصادية، إلى تقويض قدرة الاقتصاد الإيراني على امتصاص الصدمات، ما ساهم في تآكل مستويات المعيشة واتساع رقعة الفقر.

تعود جذور هذه الأزمة إلى سنوات طويلة من الاعتماد المفرط على عائدات النفط، ما جعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار والعقوبات.

بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018 وإعادة فرض العقوبات، تراجع الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنحو 6% في 2018 و7% في 2019 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

هذا الانكماش الحاد لم يُقابل بسياسات إصلاح فعالة تعيد هيكلة الاقتصاد أو تعزز الإنتاج المحلي، بل تزامن مع استمرار تدخل الدولة الواسع في الأسواق، ما حدّ من كفاءة التخصيص الاقتصادي.

تُظهر البيانات الرسمية أن معدل البطالة في إيران تراوح بين 9% و11% خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه الأرقام تخفي تفاوتات كبيرة، خاصة بين الشباب والنساء.

إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن بطالة الشباب تجاوزت 20% في بعض الفترات، وهي نسبة تعكس خللًا عميقًا في سوق العمل.

ويُعزى ذلك جزئيًا إلى ضعف التنسيق بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، إضافة إلى القيود المفروضة على القطاع الخاص، الذي يعاني من بيئة تنظيمية معقدة وغياب الحوافز الاستثمارية.

في الوقت ذاته، شهدت معدلات الفقر ارتفاعًا ملحوظًا، فقد أظهرت تقارير اقتصادية محلية أن نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفعت بشكل كبير خلال العقد الأخير، مع تآكل القدرة الشرائية نتيجة التضخم المرتفع.

ووفق بيانات رسمية، تجاوز معدل التضخم 50% ، وهو مستوى مرتفع يؤثر بشكل مباشر على الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.

ويُعزى هذا التضخم إلى عدة عوامل، من بينها ضعف العملة المحلية، وزيادة الإنفاق الحكومي غير المنتج، إضافة إلى اختلالات في نظام الدعم.

تُعدّ إدارة السياسات النقدية والمالية أحد أبرز مظاهر الخلل، فقد أدى التمويل بالعجز، والاعتماد على طباعة النقود لتغطية النفقات، إلى زيادة الضغوط التضخمية.

كما أن تعدد أسعار الصرف، الذي اعتمدته الحكومة لفترات طويلة، خلق بيئة خصبة للمضاربة والفساد، حيث استفادت بعض الجهات من الفجوة بين السعر الرسمي والسوقي لتحقيق أرباح غير إنتاجية.

هذا النظام لم يسهم فقط في تشويه السوق، بل أدى أيضًا إلى هدر الموارد العامة.

إلى جانب ذلك، لعبت البيروقراطية وضعف الحوكمة دورًا في تقويض النشاط الاقتصادي.

فالتقارير الدولية تشير إلى أن إيران تحتل مراتب متأخرة نسبيًا في مؤشرات سهولة ممارسة الأعمال، ما يعكس تعقيد الإجراءات الإدارية وغياب الشفافية.

هذا الواقع يحدّ من قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على النمو، رغم كونها أحد أهم مصادر خلق فرص العمل، كما أن هيمنة المؤسسات شبه الحكومية على قطاعات واسعة من الاقتصاد تقلل من فرص المنافسة، وتحدّ من الابتكار.

في المقابل، ترى الحكومة الإيرانية أن العقوبات الاقتصادية تمثل العامل الرئيسي وراء تدهور الأوضاع، حيث أدت إلى تراجع صادرات النفط وتقييد الوصول إلى الأسواق المالية الدولية.

ولا شك أن لهذه العقوبات تأثيرًا كبيرًا، إذ انخفضت صادرات النفط من نحو 2.5 مليون برميل يوميًا قبل 2018 إلى أقل من مليون برميل في بعض الفترات اللاحقة.

غير أن خبراء اقتصاديين يشيرون إلى أن تأثير العقوبات تفاقم بسبب غياب سياسات داخلية فعالة للتكيف، مثل تنويع الاقتصاد وتعزيز الإنتاج المحلي.

تنعكس هذه التحديات على المجتمع بشكل مباشر، حيث أدت إلى انخفاض مستويات المعيشة وزيادة الفوارق الاجتماعية.

فقد تراجعت قيمة الأجور الحقيقية بشكل ملحوظ، في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والإسكان.

كما ارتفعت معدلات العمل غير الرسمي، وهو ما يعني غياب الحماية الاجتماعية لقطاع واسع من العمال.

وتشير تقديرات إلى أن نسبة كبيرة من القوى العاملة تعمل في وظائف غير مستقرة، ما يزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي للأسر.

على صعيد آخر، أدت هذه الأوضاع إلى تصاعد التوترات الاجتماعية، حيث شهدت البلاد احتجاجات متكررة مرتبطة بالأوضاع الاقتصادية، كان أبرزها في أعوام 2019 و2022.

هذه الاحتجاجات تعكس حالة من عدم الرضا عن الأداء الاقتصادي، وتسلط الضوء على العلاقة بين الإدارة الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

فكلما زادت الضغوط المعيشية، ارتفعت احتمالات الاضطرابات، وهو ما يشكل تحديًا إضافيًا لصناع القرار.

في ضوء هذه المعطيات، تبدو التوقعات المستقبلية مرهونة بعدة عوامل، أبرزها قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات هيكلية حقيقية.

وتشمل هذه الإصلاحات تحسين بيئة الأعمال، وإعادة هيكلة نظام الدعم، وتعزيز الشفافية، إضافة إلى تقليل الاعتماد على النفط.

كما أن أي تحسن في العلاقات الدولية قد يخفف من حدة الضغوط، لكنه لن يكون كافيًا دون إصلاح داخلي عميق.

في المقابل، يحذر اقتصاديون من أن استمرار السياسات الحالية قد يؤدي إلى مزيد من التدهور، خاصة في ظل النمو السكاني وارتفاع الطلب على الوظائف.

ويشيرون إلى أن معالجة البطالة والفقر تتطلب استراتيجية شاملة تركز على خلق فرص عمل مستدامة، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص.

و يعكس ارتفاع معدلات الفقر والبطالة في إيران نتيجة تفاعل معقد بين الضغوط الخارجية وسوء الإدارة الاقتصادية الداخلية.

 

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى