
استراتيجية خنق ايران: حين تُقطع الأذرع ويُحاصر الرأس
د.نبيل العتوم
لم يعد ما يجري في الإقليم مجرد تفاعلات موضعية أو تفاهمات ظرفية، بل مسارًا متدرجًا لإعادة هندسة ميزان القوة تمهيدًا للحظة فاصلة وقاتله مع طهران ؛ فالصورة التي تتكشف من الشمال السوري إلى جنوب لبنان، مرورًا بالعراق، تشير إلى عملية خنق بطيئة ومدروسة، تُضعِف إيران من أطرافها قبل الاقتراب من رأس الأخطبوط .
في قلب هذه المعادلة، يبرز التحول في الشمال السوري كحلقة أولى في سلسلة متصلة ؛ فالتقاطع غير المسبوق بين واشنطن وأنقرة ودمشق الجديدة لم يكن هدفه الاستقرار بقدر ما كان هدفه إنهاء وظيفة الساحة السورية كمنصة إيرانية تخريبية متقدمة. فتفكيك “قسد” لم يكن تنازلًا مجانيًا؛ بل ثمنًا مدفوعًا لإغلاق ما تبقى من الممر البري الإيراني ، وتجريد الميليشيات من شرعية الوجود والسلاح والغطاء.
ومن هنا، تتضح الصورة أكثر: استهداف حزب الله الذي غدا على جدول القصف اليومي لم يعد ملفًا منفصلًا، بل جزءًا عضويًا من استراتيجية إضعاف إيران نفسها وخنقها ؛ فكسر قدرة الحزب، أو إنهاكه أمنيًا وماليًا وعسكريًا، يعني قطع الذراع الأهم لطهران خارج حدودها… وفي السياق ذاته، تلوح في الأفق مرحلة لاحقة تستهدف الحشد الشعبي والفصائل الولائية في العراق، بوصفها الحلقة التالية في سلسلة تفكيك الطوق الإيراني، سواء عبر الضغط السياسي، أو إعادة الهيكلة القسرية، أو المواجهة المباشرة وتصفيات القيادات المختبئة في السرداب إذا لزم الأمر.
ياساده انتبهوا تركيا، التي لا تريد حربًا مفتوحة مع إيران، تؤدي دور “المهندس الميداني” لهذا الخنق؛ فهي تُنهي الوظيفة الإيرانية في سوريا، وتغلق الجغرافيا، وتترك النظام الإيراني مكشوفًا أمام أزماته الداخلية…. أما واشنطن، فتلعب لعبة النفس الطويل، مدركة أن قطع الأذرع بهدوء وتدرج أقل كلفة وأكثر فعالية من الانتقال مباشرة الى ضربة قد تشعل المنطقة….
أما في طهران، فلا يُقرأ هذا المشهد كتحسن أو تهدئة، بل كتحول خطير في قواعد اللعبة؛ فحين تُستنزف الجبهات الخارجية، ويتحول الحلفاء إلى عبء، ويشتد الضغط في الداخل، يصبح النظام أمام معادلة تضييق الخناق عليه : بلا عمق استراتيجي، وبلا أدوات ردع فعالة، وبلا هامش للمناورة ، وبلا اوراق يقدمها على طاولة المفاوضات يستطيع تقديمها على قاعدة رابح – رابح .
هكذا، يتضح أن المنطقة لا تتجه نحو انفجار مفاجئ، بل نحو خنق متواصل.تفكيك الأذرع، إضعاف الحلفاء، عزل الجغرافيا، ثم ترك النظام يواجه مصيره في الداخل. وبين هدوء الظاهر وتسارع الأحداث في الظل ، يبدو أن العاصفة لم تُلغَ… بل يجري إعدادها على نار هادئه، بعدما ضاق الطوق، واقتربت ساعة الحساب العسير ….وكما يردد دوما دكتورنا العزيز عمر عبدالستار المثل القائل «إلى حيث ألقت رحلها أمّ قشعم»…



