أهم الأخبارمقالات

احتجاجات إيران: بين الاحتكار وترمب ومصير مادورو

 

تعتقد طهران بأن إسرائيل لا تريد إسقاط الحكم الحالي فليس من مصلحتها وجود نظام ليبرالي ديمقراطي حليف للغرب

هدى رؤوف

تشهد إيران منذ 10 أيام احتجاجات واضطرابات بدأت من تجار البازار وامتدت إلى بعض المناطق، واختلفت تلك الأحداث عن سابقاتها التي شهدتها البلاد على مدى الأعوام الأخيرة، سواء من ناحية الأطراف المنتظمة فيها أو تعامل النظام معها.

المختلف أيضاً في تلك التحركات تزامنها مع تعثر العودة مرة أخرى للمسار الدبلوماسي بين إيران وواشنطن من جهة وتهديدات إسرائيل لطهران حال طورت صواريخها الباليستية من جهة ثانية، ومما زاد التكهنات السلبية حول مصير النظام الإيراني تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب حكومة طهران من أن واشنطن ستتدخل عسكرياً ضدها في حال سقوط قتلى من المتظاهرين.

وبعد يوم من تحذير ترمب، شنت الولايات المتحدة عملية عسكرية على الأراضي الفنزويلية، أسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، ومن ثم تتزايد التساؤلات حول مصير النظام الإيراني ومدى جدية التدخل الأميركي وإسقاطه.

وتعد تلك الاحتجاجات اختباراً للنظام الإيراني، فمن جهة كان إطلاق تجار البازار التحركات مؤشراً غير جيد للنظام الذي يعد تجار البازار مكوناً رئيساً في شبكة علاقات مرتبطة بالنظام القائم، وكان لديهم دور مهم أثناء الثورة الإيرانية عام 1979، ويعتمد بقاء أي نظام سياسي على مدى توافر شبكة من أصحاب المصالح التي ترتبط بالنظام السياسي وتدافع عن استمراره وبقائه، لذا كانت الاحتجاجات المرتبطة بالسوق وتجار البازار عاملاً مؤثراً دفع الحكومة الإيرانية إلى التحرك السريع.

ومن ثم كان تعامل النظام الإيراني مع الاحتجاجات مختلفاً هذه المرة، فمن جهة اتفق المرشد والحكومة والتيار المتشدد معاً على أن الاحتجاج حق مشروع وأن هناك مطالب اقتصادية وأنه ينبغي اتخاذ إجراءات تصحيحية، مع التركيز على أن هناك فرقاً بين الاحتجاج وإثارة الشغب.

وكان هناك أمران دفعا إلى هذا التمييز، الأول أن النظام يريد احتواء غضب تجار البازار واستيعابهم، والآخر لربط أي تدهور أمني خلال المواجهات بين المتظاهرين وأجهزة الأمن برغبة خارجية في إحداث اضطرابات داخلية.

لذا جاءت استجابة الحكومة الإيرانية سريعة باتخاذ إجراءات تساعد في حل الأزمة الحالية، وعلى رغم أن الأوضاع الاقتصادية متدهورة ويعاني الإيرانيون ارتفاع معدلات التضخم وكلف المعيشة، فإن الاحتجاجات هذه المرة ليست مرتبطة بالعقوبات الأميركية على إيران، بل إنها مرتبطة باختلالات هيكلية في الاقتصاد الإيراني وعوامل الفساد، وهي مرتبطة بارتباك سعر الصرف وسوق العملة الأجنبية بسبب توزيع غير عادل وتفضيلي للعملات الأجنبية على بعض الشركات الكبيرة على نحو حرم بعض الشركات الأخرى من الحصول على العملة الأجنبية المحدودة لدى الدولة أساساً التي توزعها على الأطراف الاقتصادية من أجل شراء مستلزمات الإنتاج، ومن جهة أخرى هناك بعض الكيانات التي لا تعيد ضخ عوائد صادراتها من العملة الأجنبية، ولا سيما الدولار في الدورة الاقتصادية للدولة، وأصبح هذا العامل مثار جدل، فتحتكر مجموعة توزيع العملات الأجنبية والحصول عليها، مما يضر بأطراف اقتصادية أخرى، لذا تعثرت مصالح تجار البازار الذين أطلقوا الاحتجاجات.

ومن ثم فإن الوضع الاقتصادي الذي اعتاد عليه المواطن الإيراني لم يكُن السبب في اندلاع تلك الاحتجاجات، إنما احتكار مجموعة مصالح للعملات الأجنبية المدعومة من الدولة. لذا سارعت الحكومة إلى احتواء الأزمة حتى لا تتسع، ولا سيما في ظل التهديدات الخارجية، من بينها تأكيدات الرئيس مسعود بزشكيان على تنفيذ اللوائح المتعلقة بضمان الأمن الغذائي وتحسين سبل عيش المواطنين وتحسين آليات الدعم الموجه للأسر والتدابير الحكومية الخاصة بتوفير السلع الأساسية وتنظيمها وتوزيعها المستدام، إضافة إلى حزمة الدعم الحكومية للمؤسسات الاقتصادية المتأثرة بسياسة الصرف الأجنبي الجديدة، والعمل على تسريع إجراءات تخليص السلع الأساسية والضرورية المتوافرة في الموانئ ونقلها والتشديد على تحديد الأولويات في تخصيص موارد النقد الأجنبي.
ومن جهة أخرى، هناك حرص على التعامل في حدود ضيقة بالقوة الغاشمة مع الاحتجاجات حتى لا تتسع دائرتها، لذا قد يكون النظام الإيراني مطمئناً إلى قدرته على استيعاب الأوضاع الداخلية، ولا سيما أنه منذ انتهاء حرب الـ12 يوماً عمل على تخفيف القيود الاجتماعية حتى يحافظ على ما يعده التماسك الداخلي في مواجهة التهديد الأميركي- الإسرائيلي، لكن ما يخشاه هو استغلال تل أبيب للأحداث على نحو يزيد خطر توسع الاحتجاجات ووقوع خسائر كبيرة.

لكن نظراً إلى أن المعارضة الإيرانية غير منظمة ولا توجد لديها قيادة تطرح بديلاً سياسياً للنظام القائم، فإنه ربما من المبالغ فيه اعتبار أن الاحتجاجات الحالية قد تطيح بالنظام، فسيناريو اليوم التالي غير مطروح لدى المواطن الإيراني الذي لا يريد تدهور حياته مع انهيار مؤسسات الدولة التي تدير شؤونه حتى لو بكفاءة متدنية، وإن طرح بعضهم لمصير الرئيس الفنزويلي عبر إطاحة ترمب بالنظام الإيراني يعد مبالغاً فيه لأن التدخل لتغيير النظام للإتيان بشخص من داخله لا يعني تغيير السياسات الإيرانية في المنطقة ولا تعني واشنطن الحريات التي يطمح إليها الإيرانيون.

وكانت الناشطة فائزة رفسنجاني أهم الشخصيات المعارضة للنظام الإيراني رأت خلال حوار لها أخيراً تعليقاً على الاحتجاجات الجارية أنه ينبغي إصلاح النظام من داخله لأن ليس هناك بديل وأن المعارضة نفسها أكثر فاشية وهو ما رأته من المعارضة داخل السجون، وأن معارضة النظام لا تعني إسقاطه إنما إصلاحه من الداخل.

من جهة أخرى تعتقد إيران بأن إسرائيل لا تريد إسقاط الحكم الحالي، فليس من مصلحة تل أبيب وجود نظام ليبرالي ديمقراطي حليف للغرب، إنما من مصلحتها إبقاء إيران منهمكة في مواجهة اضطرابات وعدم استقرار داخلي بدلاً من التركيز على طموحاتها الإقليمية، كما أن معارضي النظام ومؤيديه قد يتوقعون حدوث التغيير من داخل النظام لحظة وفاة المرشد واختيار المرشد المقبل، لذا ربما لا تتعجل واشنطن التدخل في عملية الانتقال السياسي حالياً.

نقلا عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى