أهم الأخبارمقالات

إيران وواشنطن: إتمام صفقة أو ضربة أكثر إيلاما

تتناقض المؤشرات بين التفاؤل الدبلوماسي والتحشيد العسكري

 

هدى رؤوف

تاريخياً، اعتادت إيران وواشنطن على نهج عقد الصفقات، سواء كانت سرية أو معلنة. حتى في عهد “الجمهوريين الجدد” وإدارة جورج بوش الابن، عرضت طهران إبرام “صفقة كبرى” (Grand Bargain) لتجنب تصنيفها ضمن “الدول المارقة” أو استهدافها بالتغيير العسكري، إلا أن إدارة بوش رفضت العرض حينها. اليوم، تجد إيران نفسها مجدداً أمام خيار ثنائي حاسم مع إدارة دونالد ترمب، إما التوصل إلى صفقة، أو تلقي ضربة عسكرية يتوقع أن تكون أكثر إيلاماً من تلك التي حدثت العام الماضي.

في ظل تضارب التقارير الحالية، يبرز التساؤل حول أي السيناريوهين أقرب للتحقق؟

على صعيد المحادثات، وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الجولة الأخيرة في جنيف مع الجانب الأميركي بأنها “بناءة”، وأعلن التوصل إلى تفاهم عام حول مجموعة من “المبادئ التوجيهية” التي ستوضح مسار استمرار المفاوضات. واتفق الطرفان أيضاً على البدء بصياغة وتبادل نصوص تتعلق باتفاق محتمل، وتحديد موعد للجولة المقبلة. وقيّم وزير خارجية عمان اختتام هذه الجولة باعتباره “تقدماً ملموساً”، مؤكداً استمرار دور مسقط كوسيط.

وتشير المعطيات إلى أن ممثلي الجانبين ناقشوا إطار عمل يمكن أن يشكل أساساً للمفاوضات المقبلة، ويبدو أن المبادئ التوجيهية تتمحور حول ركيزتين أساسيتين، الملف النووي بما يشمل التخصيب والمواد المخصبة وضمان التحقق والشفافية عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتأكد من عدم عسكرة البرنامج، أما التزامات الولايات المتحدة فتتعلق برفع العقوبات الاقتصادية والمالية.

وانتهت المحادثات بالاتفاق على إعداد تفاصيل حول هذين الموضوعين لتبادلهما قريباً، وصولاً إلى نص موحد للجولة المقبلة.

وعلى رغم تأكيد الرئيس الأميركي أخيراً على وجود “محادثات جيدة” جارية مع إيران، فإن هناك تسارعاً ملحوظاً في وتيرة التقارير الواردة من إسرائيل ومنصات مثل “أكسيوس” التي تؤكد اقتراب توجيه ضربة أميركية على خلفية تعقد المفاوضات. وهذا الوضع يضع المشهد أمام روايتين متناقضتين، إيجابية التصريحات الرسمية المتبادلة، مقابل تقارير تنذر بعمل عسكري وشيك.

في هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى حقائق تحليلية عدة تحكم المحادثات الجارية:

أولاً: اختلاف السياق الإقليمي والاستراتيجي

يختلف السياق الإقليمي الحالي جذرياً عن ذلك الذي ساد قبيل “حرب الـ12 يوماً” العام الماضي، وعن سياق الاتفاق النووي لعام 2015. فخلال عهد أوباما، سعت واشنطن إلى احتواء إيران نووياً مقابل رفع العقوبات، ضمن استراتيجية للتوجه شرقاً بعيداً من الشرق الأوسط، في وقت كان النفوذ الإقليمي لإيران قوياً (الوجود في سوريا وقوة الميليشيات الموالية لها). أما محادثات اليوم، فتأتي في ظل انحسار وضعف استراتيجي لمحور إيران (غياب نظام الأسد وضعف الهيكل التنظيمي والعسكري لـ”حزب الله” وحركة “حماس”).

والسياق الحالي لمفاوضات ترمب يشهد انحساراً للمشروع الإيراني في مواجهة شرق أوسط ترسم إسرائيل ملامحه بالقوة العسكرية، ويرتكز على القضاء على قدرات إيران الصاروخية والنووية. ولم يعُد أمام إيران حالياً سوى خياري الاتفاق أو الضربة العسكرية التي قد ترتبط أهدافها باحتمالات تغيير القيادة.

ثانياً: استمرار نمط المناورة الإيراني

على رغم إبداء الإيرانيين في جنيف استعدادهم لتجميد البرنامج النووي لمدة تراوح ما بين ثلاثة وخمسة أعوام (مرتبطة بولاية ترمب) كإنجاز يمكن تسويقه أميركياً، فإن هذا المقترح ليس جديداً وسبق عرضه العام الماضي. كذلك يُلاحظ تكرار إيران لمطالبها خلال اجتماع عراقجي مع غروسي، بربط عودة المفتشين بإطار جديد للمنشآت التي ضُربت سابقاً، وهو تكرار لنمط مفاوضات دائري لم يحقق تقدماً في الماضي. واللافت هو استمرار طهران في هذا النهج على رغم تيقنها بإمكان إقدام ترمب وإسرائيل على ضربة عسكرية في أية لحظة.

ثالثاً: التفاوض تحت ضغط الوقت والتلويح العسكري

تدخل إيران المحادثات وهي تعي المهلة التي منحها ترمب (شهر منذ بداية فبراير- شباط الجاري) للتوصل إلى اتفاق، وبالتزامن مع تحذيرات هيئة السلامة الأوروبية للطيران من الأجواء الإيرانية حتى نهاية مارس (آذار) المقبل. وعلى رغم دخولها في المفاوضات، تعلن إيران رفع جاهزيتها الدفاعية وتجري مناورات بحرية في مضيق هرمز (مثل مناورة “السيطرة الذكية”) بقيادة الحرس الثوري.

رابعاً: البعد الاقتصادي للمواجهة المحتملة

تستهدف المناورات الإيرانية في مضيق هرمز استعراض القدرات البحرية وإمكان رفع كلفة أية مواجهة عبر الإعلان عن خطط لاستهداف السفن الأميركية بصواريخ جديدة (مثل “قاسم بصير”) واستعراض الصواريخ الساحلية. والحرب المقبلة لن تكون جوية فقط، بل ستكون الممرات الملاحية المهمة إحدى ساحاتها الرئيسة، لرغبة إيران في التأثير في أمن الطاقة وتدفقها والأسعار العالمية والاستقرار الاقتصادي للمنطقة.

خامساً: طبيعة الضربة الأميركية المحتملة

من المؤكد أن أية ضربة أميركية مقبلة ستكون مختلفة عن عملية “مطرقة الليل” في يونيو (حزيران) عام 2025 (التي استهدفت منشآت نووية بقنابل خارقة للتحصينات). وسيعمل ترمب هذه المرة على توجيه ضربات قوية للنظام الإيراني تتعدى استهداف المنشآت النووية فقط. وسيحرص ترمب، حال قرر الضربة، على أن تكون موجعة وأكثر إيلاماً للنظام، ليتباهى بتنفيذ عملية عسكرية ناجحة تختلف جذرياً عن فشل عمليات سابقة مثل “مخلب النسر” عام 1980. فإن ترمب الحريص على “اتفاق” يتباهى به، سيكون حريصاً بالقدر نفسه على “ضربة” استثنائية في تأثيرها إذا لزم الأمر.

نقلا عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى