
إيران وحصاد العام: انحسار للنفوذ وانقسام داخلي
ستدخل طهران 2026 من دون أي اختراق يذكر في التحديات والتهديدات القائمة
هدى رؤوف
دائماً ما يحمل ديسمبر (كانون الأول) شعوراً بأن النهايات تقترب تمهيداً لأمل ببدايات جديدة لعام يأتي بالأفضل، فهل يمكن أن يكون انتهاء 2025 المليء بالانكسارات والانهزامات مبشّراً بأمل لإيران في حدوث انفراجات؟ أم سيكون امتداداً لأزماتها؟
لقد كان 2025 عام تكريس الأزمات التي تواجهها إيران خارجياً وإقليمياً، إضافة إلى تكريس الانقسام الداخلي في شأن السياسات الداخلية والخارجية لها، إذ تصاعدت الاتهامات المتبادلة بين المتشددين والحكومة الحالية والمنتمين للتيار الإصلاحي، فعلى رغم أن 2023 يعد عام بدء انحسار النفوذ الإقليمي الإيراني وصعود المشروع الإسرائيلي، لكن طهران التي عملت على تجنب الصراعات المشتعلة في المنطقة قدر الإمكان كانت الهدف الرئيس لتل أبيب.
منذ عام 2023 بدأت إسرائيل العمل على إضعاف القدرات العسكرية والتنظيمية لجميع الميليشيات الإقليمية التابعة لإيران مثل “حزب الله” و”أنصار الله” و”حماس” والفصائل العراقية، لكنها جعلت 2025 عام المواجهة العسكرية المباشرة مع إيران للمرة الأولى والتي استمرت 12 يوماً، أما ما سبق هذا العام من صراع بين إيران وإسرائيل فقد كان يتخذ شكل “حرب الظل” التي تراوحت ما بين حروب سيبرانية ومناوشات ضد السفن واستهداف إسرائيلي لأهداف إيرانية داخل لبنان وسوريا.
كان لحرب الـ 12 يوماً تأثيرها الداخلي في إيران حين أدت إلى ظهور انقسامات ما بين النخبة السياسية البارزة، والتي تنتمي لكل من الإصلاحيين والمتشددين، وظهرت مطالب داخلية بضرورة المراجعة الذاتية للسياسة الإيرانية داخلياً وخارجياً، وعلى رغم أن أهم إيجابيات الحرب كان التماسك والوحدة الداخلية التي عمل النظام الإيراني على الترويج لها كشعار قومي يجمع المواطنين في مواجهة الأفكار الأيديولوجية، لكن هذه التماسك الداخلي مهدد بتفاقم الأوضاع الاقتصادية التي انعكست في مظاهر عدة، ومنها انعدام الأمن الوظيفي ومشكلات السكن وانخفاض القدرة الشرائية وعدم المساواة في الحصول على الخدمات الصحية، وحتى سياسة البنوك في ما يخص قروض الزواج أخيراً، والتي لا تعتبر داخل إيران قضية اقتصادية فقط بل سياسة اجتماعية تهدف الحكومة من خلالها إلى تشجيع الشباب على الزواج من أجل الإنجاب، وذلك لأمرين، أولهما مواجهة أزمة كبر العمر والكهولة التي ترتفع في إيران لتجعلها أكثر دولة في المنطقة بها نسبة كبار السن، وثانيهما أن تيسير الزواج يمنح المجتمع شعوراً بالأمان والاستقرار، لكن ما حدث هو تزايد قوائم انتظار سداد قروض الزواج، فقد كشفت إحصاءات البنك المركزي للأشهر الثمانية الماضية حول قروض الزواج وتربية الأطفال أن عدد المنتظرين في هذه القوائم قد تجاوز المليون، وإذا كان توفير هذه التسهيلات يمنح الأفراد، ولو بصورة محدودة، شعوراً بالدعم والقدرة على التغلب على المشكلات، وفق تصور الحكومة، فهو ما لم يحدث.
من جهة أخرى تزايد الصراع بين المتشددين وحكومة الرئيس الإصلاحي مسعود بيزشكيان، فقد صدرت تصريحات رئيس مجلس الشورى باقر قاليباف حول ضرورة تعديل الحكومة والتحذير من العزل، على خلفية ما اعتبره فشلاً للسياسات الحكومية ستضطر البرلمان إلى استخدام أدواته الرقابية، مما جعل وسائل الإعلام المقربة من الحكومة تتهم قاليباف بالسعي إلى فرض نفوذه على الحكومة.
جدل داخلي حول سياسة إيران الخارجية
وكان من تداعيات حرب الـ 12 يوماً ظهور الانقسامات بين المتشددين والإصلاحيين حول مسألة المفاوضات والخطوط الحمر لإيران، فقد اعتبر الإصلاحيون أن المفاوضات ضرورة للحفاظ على بقاء النظام، والتخلي عن الالتزامات الأيديولوجية كمحرك للسياسة الخارجية التي رتبت الصراعات بين إيران وواشنطن، فدعا الرئيس السابق حسن روحاني إلى ما يسمى بالتوازن الإيجابي، أي الحفاظ على علاقات إيجابية مع جميع دول المنطقة وخارجها، وكذلك نادى جواد ظريف بضرورة التخلي عن رفض إيران تمسكها بتطوير منظومة الصواريخ الباليستية، وقال إن الإنسان أهم من الصواريخ، في دعوة إلى إظهار مرونة تجاه المطالب الأميركية لتحقيق اختراق في المفاوضات ورفع العقوبات.
وفي المقابل كال المتشددون الاتهامات إلى التيار الإصلاحي معتبرين أن هذا نوع من الانسحاب والتراجع، في توقيت تُصوّر إيران بأنها منهزمة أمام أعدائها، ومن ثم فإن هذا ليس تراجعاً تكتيكياً بل استسلام.
وتجددت انتقادات المتشددين لجواد ظريف أخيراً في أعقاب مقالته في “مجلة السياسة الخارجية” والتي أوضح فيها أن التوتر بين إيران والغرب عائد لسلوك الطرفين، وأن السردية الأميركية والإسرائيلية التي صورت إيران كعدو وخطر على النظام العالمي هي ما دفعت طهران إلى انتهاج سياسة خارجية قائمة على الأمن والعسكرة، ومرتكزة على بناء الصواريخ الباليستية وشبكة الوكلاء، وهنا يثار الجدل في داخل إيران حول تأمين السياسة الإيرانية التي تحدّث عنها ظريف واتخذها الأميركيون والإسرائيليون ذريعة ضد إيران، وأن ظريف بذلك نفى عن بلاده حقها في تطوير بنيتها الدفاعية والعسكرية من أجل التفاوض مع الغرب حول التخلي عن تعزيزها.
التهديدات الإقليمية
حمل عام 2025 كثيراً من التحديات والتهديدات الإقليمية لإيران، ومن ذلك مطالبة الإمارات العربية المتحدة بسيادتها على الجزر الثلاث، على رغم تحسن العلاقات دبلوماسياً معها، وتحركات إسرائيل في القوقاز واتهامات لإيران بالتدخل في الانتخابات العراقية، إضافة إلى التوترات في أفغانستان وباكستان، فضلاً عن أهم التحديات في سوريا ولبنان حيث فقدت إيران نظام بشار الأسد، وهو أهم حليف لها في استراتيجيتها الإقليمية، إضافة إلى “حزب الله” الذي لا تزال إسرائيل تعمل على استخدم الآلة العسكرية ضده لتدمير مستودعاته من الأسلحة ومراكز إطلاق صواريخه ومرافق تدريبه وبناه التحتية، مع استمرار تأكيد المصادر الأمنية الإسرائيلية أن جزءاً كبيراً من القوة العسكرية للحزب لا يزال سليماً، وأنه قادر على الحفاظ على الردع بفضل شبكته السرية الواسعة واحتياطاته الضخمة من الأسلحة.
وفي حال اندلعت اشتباكات بين إسرائيل و”حزب الله” فقد تمتد إلى إيران التي ربما قد تغير إستراتيجيتها في المواجهة مع إسرائيل هذه المرة، وبدلاً من تجنب المواجهة فقد تندلع حرب إقليمية يشتبك فيها “أنصار الله” الحوثيين و”حماس” في الوقت ذاته، أي تفعيل مبدأ وحدة الساحات بدلاً من تعطيله خلال العامين الماضيين.
أما من جهة المواجهة بين إسرائيل وإيران فعلى رغم انحسار النفوذ الإيراني الآن إلا أن بنيامين نتنياهو لا يزال يعمل على دفع دونالد ترمب نحو مواجهة جديدة مع إسرائيل، على خلفية تطوير قدراتها الصاروخية والعمل على إجبار طهران بقبول تقييد برنامجها الصاروخي، لذا فالمسؤولون الإسرائيليون يعدون ملفاً استخباراتياً شاملاً عن إيران، يفصل جهودها لإحياء برنامجها النووي وإعادة بناء ترسانتها من الصواريخ الباليستية، وزيادة تمويل “حماس” و”حزب الله” و”الحوثي”، وهو ما يمكن أن تعتبره إيران تبريراً جاهزاً مؤجلاً لحين تغير نيات ترمب تجاهها من الدبلوماسية إلى الخيار العسكري.
على صعيد آخر هناك تحدي تغيير النظام الإيراني الذي ألمح إليه ترمب ونتنياهو خلال حرب الـ 12 يوماً، ففي حين قد يكون هناك تصور أن الرئيس الأميركي غير مهتم بتغيير النظام الإيراني بل بالتوصل إلى اتفاق يناسب مصالحه فقط، فإنه قد لا يكون من مصلحة الإسرائيليين تغيير النظام الإيراني إلى نظام أكثر ديمقراطية وليبرالية، فحينها لن تتمكن طهران من لعب دور العدو، ومع ذلك فقد لا يكون ذلك منطقاً سليماً لو عملت واشنطن وإسرائيل على تغيير النظام عبر استقدام شخصيات محسوبة على النظام ولكن أكثر براغماتية وقدرة على التعامل والتفاهم مع واشنطن وإسرائيل.
أما البرنامج النووي الإيراني فهو التحدي الأكثر ديمومة، فمن جهة لا تبدى إدارة ترمب أي اهتمام بالتفاوض مع إيران، وقد وضعت شروطاً مسبق إذا وافقت عليها فيمكن حينها بدء المفاوضات، وتخص عدم التخصيب والصواريخ الباليستية، ومنذ أيام ناقش مجلس الأمن الدولي مسألة انتهاء القرار (2231) وتطبيق العقوبات، ومع استمرار الجدل بين أعضاء المجلس فإن روسيا والصين تعتبران أنه بمرور 10 أعوام فقد انتهى الاتفاق ومن ثم فلا قانونية لعودة العقوبات، بينما تحاول واشنطن والأوروبيون إعادة تطبيق العقوبات وتشكيل لجنة لمتابعتها، وقد أعلن ممثلو الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا والاتحاد الأوروبي إعادة تفعيل قرارات العقوبات السابقة المفروضة على إيران، واتهموها بانتهاك التزامات الاتفاق النووي داعين إلى الالتزام بتنفيذها، وقد استشهد نائب الممثل الأميركي جيفري بارتوس بتقرير الأمين العام قائلاً إن القرار (2231) لا يزال ساري المفعول، وأن مجلس الأمن قرر إعادة تفعيل ست عقوبات ضد إيران، وأعلن أن لجنة العقوبات (1737)، والتي كانت مسؤولة عن مراقبة العقوبات المفروضة على إيران قبل الاتفاق النووي، استأنفت عملها، داعياً الممثل الألماني أيضاً إلى تعيين رئيس لهذه اللجنة لبدء عمل الخبراء.
من جهتها ترى إيران انتهاء صلاحية القرار (2231) وعدم مشروعية آلية إعادة فرض العقوبات، وأن المبادئ الأساس لـ “خطة العمل الشاملة المشتركة” سارية المفعول مع تقديمها ضمانات قابلة للتحقق من سلمية برنامجها النووي، في مقابل الاعتراف الكامل بحقوقها بموجب “معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية”، بما في ذلك حقها في تخصيب اليورانيوم ورفع جميع العقوبات وتطبيع اقتصادها، وأن هذه المبادئ قابلة للتنفيذ ويمكن أن تشكل أساساً متيناً للتوصل إلى اتفاق جديد.
ولا تزال قضية إيران مدرجة على جدول أعمال المجلس، ولذا فإن أمامها مسارين لضمان استمرار الدبلوماسية، أولهما سعيها إلى تأكيد أن برنامجها النووي سلمي وأنها مستعدة لتقديم الضمانات اللازمة في ذلك الشأن، مع العمل على مسار العلاقات مع الـ “ترويكا” الأوروبية ودفعها لتشجيع الولايات المتحدة على التحرك في هذا الاتجاه، وثانيهما التواصل مع واشنطن وبدء محادثات سرية، لأن للأميركيين شروط مسبقة، وحفاظاً على هيبة الطرفين فقد تسعى إيران إلى المسار السري، إذ تعتبر طهران أن المفاوضات العلانية جرى تخريبها من قبل أطراف إقليمية أهمها إسرائيل، وفي سبيل ذلك فستدفع أطرافاً مثل روسيا عُمان نحو لتوسط لدى واشنطن لبدء مفاوضات غير معلنة، يجري فيها التفاهم حول القضايا المهمة.
ستدخل إيران عام 2026 من دون أي اختراق يذكر في التحديات والتهديدات القائمة، والتي إما أن تحل أو تستمر فستكون نواة لإشعال حرب إقليمية، إذ ربما تفعل إيران مبدأ الساحات ولن تكتفى بإستراتيجية تجنب الصدام السابقة التي جعلتها تخسر وكلاءها لتكون هدفاً لضربات أميركية وإسرائيلية، والمؤكد أن الجولة الثانية من الحرب بين إيران وإسرائيل، وكذلك الجدل الداخلي حول التوسع أو الانكفاء والتراجع التكتيكي أو الإستراتيجي، ستتوقف جميعها على مدى التقدم أو التراجع في العلاقة بين طهران وواشنطن خلال الفترة المقبلة.
نقلا عن اندبندنت عربية



