أهم الأخبارمقالات

إيران هدف مناسب لحرب ترمب الجمركية

على رغم انتقاده الشديد لسياسات الرئيس الأميركي الاقتصادية، يرى كاتب المقالة أن فرض الرسوم الجمركية العقابية على الدول المتعاملة مع طهران هو خيار أفضل من تدخل عسكري قد يؤدي إلى كارثة

 

شون أوغرايدي

يمكن لدونالد ترمب أن يتصرف بصورة صائبة أحياناً، أقول ذلك بشيء من التحفظ، إذ إن سلوكيات رئيس الولايات المتحدة وسياساته تمثل في رأيي تعريفاً عملياً للفاشية المعاصرة. غير أن فرض رسوم جمركية ثانوية بنسبة 25 في المئة على الدول التي تقوم بتعاملات تجارية مع إيران، يعد أحد الأمثلة على التصرف الصحيح.

في هذه اللحظة الحرجة من الثورة المضادة التي تحدث في إيران، يعد أي شكل من أشكال الدعم السلمي الذي يمكن تقديمه للشعب الإيراني، في المحصلة النهائية، الخيار الأمثل الذي يمكن اعتماده. فمن شأن هذه الخطوة أن تضيف ضغطاً غير مباشر على النظام في طهران، من خلال تأثيرها في الصادرات الإيرانية، ولا سيما منها النفط، التي تمول عائداتها قيادة البلاد وأجهزتها الأمنية، وبالطبع “الحرس الثوري الإيراني”، الذي يعد الجهة الوحيدة التي تستفيد من الحكم الثيوقراطي هناك.

وفي وقت يعاني فيه الاقتصاد الإيراني وعملته أصلاً أزمة خانقة، وهي أحد الأسباب الأساسية للاحتجاجات الراهنة، فإن خسارة أسواق تصدير رئيسة مثل الصين والعراق والإمارات العربية المتحدة والهند وتركيا وباكستان، في الأقل نظرياً، قد تدفع بآيات الله إلى إعادة التفكير في جرائم القتل الوحشية التي يرتكبونها في حق المتظاهرين.

من هنا، ينبغي على شركاء تجاريين آخرين، مثل الاتحاد الأوروبي (أي ألمانيا)، أن يضعوا الشعب الإيراني، إلى جانب المصالح الجيوسياسية الغربية، في صدارة أولوياتهم عند التفكير في بيع سلع لإيران.

هل تنجح حرب الرسوم الجمركية التي يشنها الرئيس الأميركي على إيران؟ من الواضح أن هناك أسباباً تدعو إلى الشك في أنها ستكون فعالة بالمقدار الذي يؤمل به، فأول ما يجب أخذه في الاعتبار هو أن الدول تلجأ إلى التحايل، كما أن الجهات التي ستتحمل العواقب ستكون المستهلكين الإيرانيين والشركات التي لا صلة لها بالنظام. يضاف إلى ذلك، أن الصين والهند لا تقبلا أن تمارس الولايات المتحدة ضغطاً عليهما، وقد تقاومان أية محاولة من البيت الأبيض لإرغامهما على ذلك.

مع ذلك، يظل هذا الخيار أفضل “سلاح” تمتلكه الولايات المتحدة، وهو بلا شك أنسب من شن موجة من الغارات الجوية على إيران، إذ حتى لو اقتصرت هذه الهجمات على المواقع النووية والقواعد العسكرية، فإنها ستؤدي إلى سقوط ضحايا، وإلى رد فعل مضاد على ما سينظر إليه بأنه عدوان أميركي، بما يفضي إلى التفاف وطني حول النظام، وهذا ينطبق أكثر على أية عمليات “سرية” يقال إن قادة الأركان عرضوها على ترمب كخيارات ممكنة.

بلغ دونالد ترمب من العمر ما يسمح له بأن يتذكر جيداً ما حدث لسلفه الرئيس الأميركي جيمي كارتر، عندما فشلت عام 1980 عملية جريئة لتحرير أميركيين كانوا محتجزين في سفارة الولايات المتحدة في طهران بصورة مهينة للغاية. وقد أسهم ذلك حينها في تعزيز الثورة الإسلامية الأولى، ووضع كارتر بقوة على طريق الهزيمة في الانتخابات الرئاسية التالية.

كما أن أية محاولة لاختطاف آية الله خامنئي، على غرار ما جرى مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ستكون لها نتائج مماثلة، إضافة إلى المعضلة الكبرى: ماذا ستفعل بالمرشد الأعلى عندها؟

علينا أن نتمسك برؤية ما يمكن أن تقدمه “إيران جديدة” لشعبها والمنطقة والعالم، فإذا ما استخدم ما لا نزال نسميه “الغرب” نفوذه للمساعدة في ترجيح كفة ميزان القوى داخل البلاد، ودعم قيام نظام أكثر انفتاحاً وليبرالية، فإن ثمار ذلك ستتجاوز حدود إيران وتعم آثاره على نطاق واسع.

كما أن الشعب الإيراني، إذا حرر من الطغيان الديني الذي يفتقر للكفاءة، ومن العقوبات الدولية، سيزدهر بسرعة من دون الحاجة إلى تطوير ردع نووي.

ستعود إيران مرة أخرى قوة رائدة في المنطقة ومصدراً للاستقرار، وستدعم قضية الشعب الفلسطيني، كما تفعل قوى أخرى، لكن من دون أن ترعى الإرهاب عبر حركة “حماس” أو “حزب الله” أو الميليشيات الحوثية في اليمن (وإنهاء حربها بالوكالة المتقطعة مع المملكة العربية السعودية هناك). كما ستتوقف طهران عن دعم الحرب التي تشنها روسيا في أوكرانيا، سواء عبر التمويل، أو من خلال تزويد موسكو بتكنولوجيا الطائرات المسيرة.

ستصبح إيران الجديدة، وللمرة الأولى منذ سقوط آخر شاه – الذي يجب عدم المبالغة في تجميل نظامه – في حال سلام مع جيرانها، ولا سيما منهم سوريا والعراق. ولن يضطر الإيرانيون بعد ذلك إلى الفرار حفاظاً على حياتهم وحرياتهم. هذا هو المكسب الذي بات في متناول الإيرانيين والعالم، وإذا ما اضطلع دونالد ترمب بدوره في عملية التحرر هذه، فينبغي ألا نستاء منه.

نقلاً عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى