أهم الأخبارتقارير

إيران على صفيح الغضب: مطالب شعبية بالإصلاح و اتساع الفجوة بين النظام والمجتمع

 

تواجه إيران خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا ، في ظل تزايد المطالب الشعبية بإصلاحات سياسية واقتصادية عميقة، مقابل استمرار السلطات في تبني سياسات بعيدة عن أولويات المواطنين اليومية.

وبينما تتفاقم الأزمات الاقتصادية وتتراجع مستويات المعيشة، تتسع الفجوة بين تطلعات شرائح واسعة من الإيرانيين وبين توجهات النظام الحاكم، ما يجعل ملف الإصلاحات أحد أبرز التحديات التي تواجه البلاد على المدى القريب والمتوسط.

تعود جذور المطالب الشعبية الحالية إلى تراكمات اقتصادية وسياسية امتدت لعقود، إلا أن حدتها ازدادت بصورة واضحة منذ عام 2017، عندما شهدت إيران موجات احتجاج متتالية شملت عشرات المدن.

ففي احتجاجات أواخر عام 2017 وبداية 2018، ثم احتجاجات نوفمبر 2019 المرتبطة بارتفاع أسعار الوقود، وصولًا إلى الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت عام 2022 بعد وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى الشرطة ، برزت مطالب تتجاوز الجوانب المعيشية لتشمل قضايا الحريات العامة، والإصلاح السياسي، ودور المؤسسات الأمنية، وآليات صنع القرار داخل الدولة.

اقتصاديًا، تواجه إيران تحديات كبيرة انعكست بشكل مباشر على حياة المواطنين، ووفق بيانات رسمية صادرة عن البنك المركزي الإيراني ومركز الإحصاء الإيراني، إضافة إلى تقديرات صندوق النقد الدولي، شهدت البلاد خلال السنوات الأخيرة معدلات تضخم مرتفعة تجاوزت في بعض الفترات 50 بالمئة، بينما تراجعت قيمة العملة الوطنية بشكل حاد مقارنة بمستوياتها قبل عقد من الزمن. وقد أدى ذلك إلى انخفاض القدرة الشرائية للأسر الإيرانية وارتفاع تكاليف السكن والغذاء والخدمات الأساسية.

الاقتصاد الإيراني لا يزال يواجه صعوبات هيكلية مزمنة، فالعقوبات الدولية المفروضة على طهران بسبب برنامجها النووي وسياساتها الإقليمية أثرت على الاستثمارات الأجنبية والتجارة الخارجية، إلا أن العديد من الخبراء الاقتصاديين الإيرانيين يشيرون أيضًا إلى عوامل داخلية تتمثل في ضعف الشفافية، واتساع نفوذ المؤسسات شبه الحكومية، واستمرار البيروقراطية والفساد الإداري.

وتشير تقارير صادرة عن هيئات رقابية إيرانية خلال السنوات الأخيرة إلى تسجيل ملفات فساد بمليارات الدولارات في قطاعات مختلفة، ما عزز الشعور الشعبي بأن سوء الإدارة يمثل جزءًا أساسيًا من الأزمة.

وتنعكس هذه الأوضاع بصورة واضحة على سوق العمل، فبحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني، يواجه الشباب والنساء النسبة الأكبر من تحديات التوظيف.

كما تشهد البلاد موجة متواصلة من هجرة الكفاءات العلمية والمهنية، وتشير تقديرات دولية إلى أن إيران من بين الدول التي تسجل معدلات مرتفعة نسبيًا في هجرة أصحاب الشهادات الجامعية، في ظل بحث الأطباء والمهندسين والباحثين عن فرص أفضل في الخارج، ويُنظر إلى هذه الظاهرة باعتبارها مؤشرًا على تراجع الثقة في قدرة الاقتصاد المحلي على توفير فرص مناسبة للنمو المهني والاستقرار المعيشي.

سياسيًا، تتمحور المطالب الإصلاحية حول توسيع المشاركة السياسية، وتعزيز الحريات المدنية، وزيادة استقلالية المؤسسات المنتخبة.

ويرى كثير من الناشطين والإصلاحيين الإيرانيين أن النظام السياسي الحالي يمنح سلطات واسعة لمؤسسات غير منتخبة، ما يحد من قدرة الحكومات والبرلمانات المنتخبة على تنفيذ إصلاحات جوهرية.

وقد ازدادت هذه الانتقادات بعد تراجع حضور التيارات الإصلاحية في مؤسسات الحكم خلال السنوات الأخيرة، وانخفاض نسب المشاركة في بعض الاستحقاقات الانتخابية مقارنة بمراحل سابقة.

في المقابل، تؤكد السلطات الإيرانية أن البلاد تواجه ضغوطًا خارجية غير مسبوقة، وأن الأولوية تتمثل في الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني ومواجهة العقوبات والتهديدات الإقليمية.

كما ترى مؤسسات الدولة أن بعض الاحتجاجات تعرضت لمحاولات استغلال من جهات خارجية تسعى إلى زعزعة الاستقرار.

ويستند هذا الموقف إلى البيئة الإقليمية المعقدة التي تتحرك فيها إيران، وإلى استمرار الخلافات مع الولايات المتحدة وعدد من القوى الغربية بشأن الملف النووي والسياسات الإقليمية.

غير أن قطاعًا واسعًا من الإيرانيين يرى أن التركيز المستمر على الملفات الخارجية يأتي على حساب معالجة الأزمات الداخلية.

وقد ظهر ذلك بوضوح في العديد من الاحتجاجات التي شهدتها البلاد، حيث رفع متظاهرون شعارات تطالب بإعطاء الأولوية للاقتصاد المحلي وفرص العمل والخدمات العامة.

كما تصاعدت مطالب فئات مهنية مختلفة، من معلمين وعمال ومتقاعدين، بتحسين الأجور ومواكبتها لمعدلات التضخم المتزايدة.

وتواجه الحكومة الإيرانية تحديًا إضافيًا يتمثل في اتساع الفجوة بين المركز وبعض المناطق الطرفية التي تعاني معدلات أعلى من البطالة والفقر وضعف الخدمات.

وقد برزت هذه الفوارق في عدد من الاحتجاجات المحلية التي شهدتها مناطق مختلفة خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتبطت المطالب بقضايا التنمية والبنية التحتية وتوزيع الموارد بشكل أكثر عدالة.

وعلى المستوى الاقتصادي، يرى خبراء أن معالجة الأزمة تتطلب إصلاحات هيكلية تشمل تحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص، والحد من الاحتكارات، ومكافحة الفساد بصورة أكثر فاعلية.

كما ترتبط فرص التعافي الاقتصادي بإمكانية تخفيف التوترات الخارجية التي تؤثر على التجارة والاستثمار وتدفقات رؤوس الأموال.

وفي الوقت نفسه، يعتقد محللون أن الإصلاحات الاقتصادية وحدها قد لا تكون كافية إذا لم تترافق مع خطوات سياسية تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى