أهم الأخبارمقالات

إيران: سيناريو أميركي للحرب… أو الانتحار

قد تراهن واشنطن على عمل عسكري ينهي مصادر الخطر الوجودي على إسرائيل وينتقل بالمنطقة إلى مرحلة جديدة تتحكم في طبيعتها

 

حسن فحص

قد يكون من الصعب على أي مراقب التنبؤ بما ستكون عليه الأمور في ظل ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من حشود عسكرية أميركية غير مسبوقة حول إيران، تزامناً مع استنفار سياسي وأمني وعسكري داخل أروقة دول هذه المنطقة، في محاولة لإبعاد شبح الحرب وتداعياتها المدمرة وانعكاساتها السلبية على الجميع.

بغض النظر عن التحضيرات والاستعدادات الإيرانية للمواجهة والرد على أي هجوم أو عدوان قد تتعرض له أصول النظام العسكرية والسياسية والاقتصادية والبشرية، والتي لن تخرج على كونها رد فعل على فعل أميركي وإسرائيلي مشترك، إلا أن حدود وطبيعة هذا الرد لن تقتصر على تكرار تجربة يونيو (حزيران) 2025، باستخدام الترسانة الصاروخية واستهداف العمق الإسرائيلي لإعادة معادلة الردع المتوازن مع تل أبيب.

عودة الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس دونالد ترمب إلى خيار التصعيد العسكري، فرض في المقابل على النظام الإيراني التراجع عن استراتيجية “الساحات المنفردة” التي بدأ في تطبيقها خلال الأشهر التالية لـ”ضربة حزيران”، والعودة إلى استراتيجية “وحدة الساحات” السابقة التي عطل العمل بها خلال “طوفان الأقصى” والحرب على لبنان. وكشفت مواقف قادة الجماعات المتحالفة مع إيران والموالية لها في الإقليم، حجم ما تشعر به طهران ومعها الحلفاء من تهديد وجودي، باعتبار أن استهداف إيران والقضاء على النظام فيها يعني أنها باتت مكشوفة وفي مواجهة مباشرة مع مصير لا يختلف كثيراً عن مصير نظام طهران.

وكان الأمين العام لـ”حزب الله” في لبنان صريحاً في التعبير عن هذا التهديد الوجودي، عندما ضرب بكل مسارات التفاهم الداخلي اللبناني وذهب إلى موقف تصعيدي مباشر وغير ملتبس، بإعلان جماعته جزءاً من المعركة ضد إيران بغض النظر عن النتائج التي قد تسفر عنها هذه المعركة على الداخل اللبناني. وهو موقف جاء بالتنسيق والتزامن مع مواقف مشابهة صدرت عن قيادة الحوثيين في اليمن، وعن قادة فصائل عراقية، وبخاصة جماعة كتائب “حزب الله”، التي سبق أن أبدت تجاوباً خلال الأشهر الأخيرة مع جهود الحكومة العراقية لحصر السلاح وإنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة.

رسالة النظام الإيراني وحلفائه كانت واضحة للإدارة الأميركية وكل دول المنطقة، بأن أية حرب أميركية لن تكون محصورة في الجغرافيا الإيرانية، بل ستكون شاملة وستُدخل المنطقة في مرحلة من عدم الاستقرار والاضطراب الطويل، بحيث يكون من الصعب على واشنطن وتل أبيب السيطرة على تداعياتها بسهولة أو خلال مدة زمنية قصيرة.

وفي ظل مؤشرات التصعيد الواضحة ووقوف المنطقة على حافة الحرب، لا تزال الأصوات من داخل منظومة السلطة تدفع إيران والمنطقة للسير على حافة الهاوية، انطلاقاً من اعتقادها بأن المسار الذي تتخذه القيادة السياسية والعسكرية للنظام في التعامل مع التهديدات الأميركية والتلويح بحرب شاملة ورد واسع قد تدفع الرئيس الأميركي للتراجع، مراهنة على تردده من تداعيات حجم الخسائر التي ستلحق بقواته والحشود العسكرية التي نقلها إلى المنطقة. وهي مواقف تدعمها تصريحات عسكرية عن استعداد تام للمواجهة وخوض حرب شاملة لا تراجع أو تنازل فيها.

إيران ترقص على حبلين
على رغم حجم الثقة التي تصدر عن القيادة الإيرانية حول مآلات الحرب والمواجهة، فإن أصواتاً أخرى ما زالت تبحث عن نافذة حوارية وتسوية تساعد على إبعاد شبح الحرب. وهنا يمكن فهم الاتصال الهاتفي الذي جرى بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والذي أكد فيه بزشكيان ترحيب بلاده بأي مسار يفضي إلى السلام ومنع الحرب، وهو موقف يعبر عن هواجس المنظومة الإيرانية والمؤسسة العسكرية التي تفضل عدم الوصول إلى نقطة اللاعودة وما فيها من تداعيات قد تضع النظام أمام مصير مجهول، وبخاصة أن بزشكيان وفي ظل هذه الأوضاع لا يتحدث من منطلق موقعه كرئيس للسلطة التنفيذية، بل أيضاً باعتباره رئيساً للمجلس الأعلى للأمن القومي الذي يتولى مسؤولية ترجمة قرارات المرشد الأعلى السياسية والعسكرية والأمنية وحتى الاقتصادية.

إلا أن السقف المرتفع للشروط الأميركية لحل دبلوماسي والتي تضع النظام أمام تجربة تُشبه ما مر به العراق مع عمليات التفتيش الدولية قبل سقوط نظام صدام حسين، تجعل من الصعب على القيادة الإيرانية التسليم أو الذهاب إلى هذا الخيار من التفاوض، وبخاصة أنه ينزع كل مخالبها وأوراق قوتها النووية (إخراج مخزونها من اليورانيوم المخصب، وتفكيك البرنامج وتدمير المنشآت الجديدة وعدم ترميم القديمة التي تعرضت للتدمير) وقوتها الصاروخية (تحديد مديات الصواريخ ووقف تطويرها وتصنيعها) وصولاً إلى فتح كل المنشآت الإيرانية العسكرية والنووية والمدنية أمام عمليات التفتيش الدولي والأميركي، إضافة إلى تفكيك شبكاتها الإقليمية ووقف الدعم لها.

ومقابل الموقف السعودي الواضح “بعدم قبول أي اعتداء أو تهديد أو إثارة توتر ضد إيران”، واستعداد ولي العهد “لأي تعاون مشترك مع إيران وسائر دول المنطقة لإرساء السلام والأمن المستدام. تأتي إشارات من تركيا، الجار الغربي لإيران، تتحدث عن استعدادات تركية لإنشاء منطقة عازلة على حدودها مع إيران لاستيعاب موجات من اللاجئين ضخمة، مما يعزز الاعتقاد بوجود معلومات لدى القيادة التركية بأن العملية العسكرية الأميركية ستحصل، ولن تقتصر على عملية تأديب للنظام بل بهدف إسقاطه، وما يستتبع ذلك من دخول إيران في حروب داخلية وفوضى شاملة قد تضع هذا البلد على طريق التفكك.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يمكن الدخول في تقدير السيناريو المتوقع للعملية العسكرية الأميركية ضد إيران، والمسار الذي قد تتبعه الضربات ضدها. من خلال مسار تصاعدي يبدأ من خيار أولي، يقوم على استخدام هذا الوجود العسكري والانتشار غير المسبوق في فرض حصار بحري اقتصادي خانق على النظام وحرمانه من التصدير والاستيراد، وهو خيار قد يكون بديلاً عن الحرب وتداعياتها.

أما الخيار الثاني فتراهن فيه واشنطن على نتائج ميدانية لعمل عسكري واسع، من خلال توجيه ضربات صاروخية وقصف جوي لأيام عدة يستهدف الأصول السياسية بما فيها قيادة النظام والمؤسسات الرسمية، والأصول العسكرية من قواعد ومراكز تحكم وسيطرة وقواعد إطلاق صواريخ ومنصاتها ومراكز تصنيعها، إلى جانب مراكز إطلاق وتصنيع الطائرات المسيرة، وطرق الإمداد اللوجيستي وحركة القوات الأرضية، بحيث يستطيع إلحاق دمار واسع بالمنظومة العسكرية وإصابتها بالشلل التام.

تحييد القدرات العسكرية وشلها، تزامناً مع ضرب القيادة وغياب منظومة القيادة والسيطرة، قد تكون واشنطن تراهن على تحرك قد تشهده المناطق المضطربة، والتي تشكل الخواصر الرخوة للنظام في الجنوب الشرقي في سيستان وبلوشستان والشمال الغربي في المحافظات الكردية والأذرية، بحيث تؤدي هذه المعارك إلى تعزيز أحلام هذه القوميات بالانفصال عن المركز.

وتزامناً مع هذا الحراك الداخلي وضعف القدرات العسكرية للنظام وتراجع مقاومته، قد تجد القوات الأميركية أن الميدان بات يسمح لها بعملية إنزال بري للسيطرة على كل الساحل الغربي لمياه الخليج. وهي عملية محفوفة بكثير من الأخطار، إلا أنها في حال حصولها فإنها تمنح واشنطن القدرة على إنهاء تحكم طهران بمضيق هرمز، وحرمانها من مصادر الطاقة (النفطية والغازية) والاستيلاء على الموانئ التي تشكل الشريان والعصب الأساس للاقتصاد والحياة اليومية لإيران. وهي خطوة في حال حصلت فستسمح للرئيس الأميركي إعلان نهاية التهديد الذي يشكله النظام والمحور الذي يقوده والقضاء على مصادر الخطر الوجودي الذي يهدد إسرائيل، ومن ثم الانتقال بالمنطقة إلى مرحلة جديدة هو الذي يتحكم بطبيعتها واتجاهاتها.

نقلا عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى