
إيران… تنازل مع الخارج وتشدد مع الداخل
إشارة تؤكد أن التسوية حول موضوعي "القدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي" لم تعد من المحرمات وبات بالإمكان وضعها على طاولة التفاوض في مرحلة لاحقة
حسن فحص
قد لا تكون التعليقات الصادرة عن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول “الرغبة” الإيرانية بالتفاوض والاتفاق مع واشنطن، مبالغاً فيها وليست بعيدة من واقع الحال في موقف طهران وحقيقته. ولعل كلام أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني من مسقط بعد انتهاء محادثاته مع القيادة العمانية، تؤكد وجود هذه الرغبة لدى قيادة النظام والسلطة، عندما أكد أن طهران “تريد حل المشكلات بسرعة، ولا تسعى للمماطلة وتسويف الوقت. وأعتقد أن الأمر ليس بهذا التعقيد ولا يحتاج إلى وقت طويل”.
وعلى رغم تأكيده أن التسوية التي أدت إلى عودة الطرفين لطاولة التفاوض، وأن تكون مقتصرة على الموضوع النووي، إلا أنه كشف عن إمكانية تعاون أوسع مع واشنطن في مسائل أخرى. وهي إشارة تؤكد أن التسوية حول موضوعي “القدرات الصاروخية والنفوذ الإقليمي” لم تعد من المحرمات، وبات بالإمكان وضعها على طاولة التفاوض في مرحلة لاحقة، وبعد الانتهاء من تثبيت الاتفاق النووي وما يستتبعه من إلغاء للعقوبات والحصار الاقتصادي، لكن ضمن آليات مختلفة يمكن التفاهم حولها، والتي قد تساعد على تعزيز الاستقرار الإقليمي وتأمين مصالح جميع الدول بعيداً من الحرب والتصادم، من خلال تعزيز الانفتاح الاقتصادي والاستثمارات التي تساعد في عملية التنمية.
ويبدو أن قيادة النظام، وتحديداً المرشد الأعلى والدائرة المقربة منه، السياسية والعسكرية، باتت على قناعة تامة بضرورة تقديم تنازلات، قد يسمونها في أدبياتهم “تسهيلات” تساعد في التوصل إلى اتفاق جديد مع إدارة ترمب، بما يحفظ لهذه القيادة تقديم أي إنجاز قد يجري التوصل له، باعتباره انتصاراً للنظام الذي تمسك بمواقفه وشروطه، بالفصل بين الملفات وحتى في تحديد مكان اللقاء وآلية المحادثات “غير المباشرة”.
ولعل الحراك الذي يقوم به لاريجاني بالتزامن مع المهمة التي يتولاها وزير الخارجية عباس عراقجي في قيادة عملية التفاوض، تحمل على الاعتقاد بأن النظام يعمل على مستويين، الأول يقوده عراقجي مع الفريق الأميركي المفاوض، والثاني يقوم به لاريجاني مع حلفاء إيران الشرقيين في روسيا والصين من خلال محاولة تحصين أي قرار أو تنازل قد يقدمه النظام على طاولة التفاوض. وقد عزز هذا الاعتقاد الزيارة التي قام بها لاريجاني إلى موسكو، والاجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل يوم من اجتماعات مسقط، وما تلاه من اتصال سريع بين بوتين ونظيره الصيني شي جينبينغ، الذي تواصل بعدها مع الرئيس الأميركي. ما أنتج إيجابية في الجولة الأولى أكدها الطرفان الأميركي والإيراني.
ولا تبتعد زيارة لاريجاني إلى مسقط، وبعدها إلى العاصمة القطرية الدوحة، عن المساعي الإيرانية لتحصين هذه المفاوضات، وقطع الطريق على أي محاولات إسرائيلية لعرقلتها أو التأثير عليها سلباً من خلال الضغط على إدارة الرئيس ترمب للتمسك بمناقشة القدرات الصاروخية. وما يعنيه ذلك من ضرب على الوتر الحساس للنظام الإيراني الذي يرفض أي بحث بهذا الموضوع في هذه المرحلة، ورهانه على إقناع واشنطن بآلية إقليمية بين إيران وجيرانها لبحث التهديد الذي تشكله هذه القدرات، والتفاهم على خطوات تعزز اطمئنان هذه الدول من خلال ضمانات إيرانية ملزمة وواضحة.
وفي موازاة ما يتم الهمس حوله من تنازلات في البرنامج النووي، وإمكانية أن تذهب طهران لقبول الشرط الأميركي بوقف العمل ببناء منشآت جديدة وتعليق كامل أنشطة التخصيب مقابل الاعتراف بحقها بذلك على أراضيها في المستقبل، وأيضاً العودة إلى تعاون مفتوح وشامل مع الوكالة الدولية والتخلص من مخزونها المخصب بدرجات عالية (60 في المئة)، فإن النظام قام على المستوى الداخلي باستهداف قادة الحركة الإصلاحية أو جبهة الإصلاحات واعتقالهم في لحظة دقيقة وكثيرة التعقيد.
وخلال ساعات، قامت الأجهزة الأمنية والضابطة العدلية التابعة لحرس الثورة باعتقال رئيسة الجبهة آذر منصوري واستدعاء نائبتها بدر السادات، واعتقال محسن أمين زادة المعاون السياسي لوزير الخارجية السابق في زمن خاتمي وأحد أبرز منظري التيار الإصلاحي، إضافة إلى إبراهيم أصغر زادة القيادي في الجبهة وأحد قادة التيار الشباب الثوري الذين احتلوا السفارة الأميركية يوم الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، والنائب السابق علي شكوري راد بعد تسريب صوتي له يتهم فيه الأجهزة الأمنية بافتعال أعمال القتل التي رافقت الاحتجاجات الأخيرة، وأدت إلى مقتل 3117 شخصاً، بحسب ما نشرته الرئاسة الإيرانية.
اللجوء إلى هذه الخطوة وفي هذا التوقيت، واتهام هذه القيادات بالعمل على تهديد الأمن القومي والنيل من القيادة، والتعاون مع العدوين الأميركي والإسرائيلي من خلال اتخاذ سياسات تخدم أهدافهما، كلها قد يكون لها العديد من الدلالات. لعل أبرزها أن السلطة وأجهزتها يشعران بحجم التحدي والتهديد الذي يواجهه النظام، وأن ما حدث من اضطرابات وحجم القتل الذي رافقها، لم يعد لديه ما يخسره، وبالتالي لا بد له من إسكات أي صوت قد يشكل تهديداً.
ثانياً، ما يعتقده النظام بضرورة الفصل بين رئيس الجمهورية مسعود بزشكيان وهذه الجماعات، أي إنهاء ثنائية الإنماء السياسي للرئيس بين الولاء للمرشد الأعلى والتوجه الإصلاحي السياسي، على رغم محاولته اعتماد الوسطية وضرورة الوفاق الوطني، بخاصة وأن الإصلاحيين لعبوا دوراً بارزاً في تحشيد الشارع وإقناعه بالمشاركة في الانتخابات. وبالتالي إنهاء ما قد يدعيه الإصلاحيون حول شراكتهم في ترميم شرعية النظام الانتخابية.
ثالثاً، أن النظام لمس حجم التراجع في شعبية القوى الإصلاحية، ما يجعل خطوة اعتقالهم وإنهاء دورهم السياسي لمصلحة وحدة الموقف داخل السلطة، يشكل حماية للنظام من أي صوت قد يصدر عن هذه القوى، ما قد يحمله مسؤولية التأخير والمماطلة في التوصل إلى تسوية مع واشنطن تنهي حالة العداء وتخرج إيران من دائرة العقوبات المزمنة.
رابعاً، قطع الطريق على أي إمكانية لعقد شراكة سياسية مع هذه الجماعات. شراكة قد تفرض عليه اللجوء إلى تسوية تعيد هؤلاء إلى السلطة، بخاصة في ظل وجود أصوات داخل الإصلاحيين تطالب بإحداث تغييرات جوهرية في آلية الحكم والسلطة.
خامساً، غريزة الدفاع عن النفس، دفعت السلطة لاتخاذ هذه الخطوة والقضاء أو محاولة القضاء على مصدر خطر محتمل، في ظل انقسام الإصلاحيين بين راديكاليين يطالبون بإحداث تغيير جوهري في الدستور، يمس أولاً موقع ولي الفقيه وصلاحياته، ومعتدلين أو براغماتيين يطالبون بإحداث تغييرات من خلال التوسع في قراءة وتفسير الدستور بحيث يمكن معها تعزيز العملية الديمقراطية.
سادساً، قطع الطريق على أية مفاجآت داخلية قد يواجهها النظام في حال فشلت المفاوضات مع واشنطن ورفض الرئيس ترمب الفصل بين الملفات أو السير في التسوية حول آلية حل البرنامج النووي. وهذا الفشل يعني العودة إلى خيار الحرب والمواجهة، وبالتالي قد يتحول الإصلاحيون إلى بديل داخلي يملك بعضاً من القبول الشعبي يمنع انتقال إيران إلى الفوضى والمصير المجهول.
نقلا عن اندبندنت عربية



