أهم الأخبارمقالات

إيران بين العودة للعسكرة أو الانتقال إلى الإصلاح

أحست الجماعات التي كثيراً ما بنت مصالحها على استمرار العقوبات والحفاظ على حال التوتر مع الداخل والخارج بأخطار توجهات بزشكيان وآثارها في مصالحها

 

حسن فحص

حال التضامن والالتفاف حول إيران والعلم الوطني التي برزت بعد الهجوم الإسرائيلي – الأميركي المشترك في يونيو (حزيران) 2025 شكلت فرصة عملية وحقيقية للرئيس مسعود بزشكيان للإمساك بزمام المبادرة والانتقال إلى سياسات إصلاحية على المستوى الاقتصادي والمالي، وإعلان الحرب على فساد المصالح الفئوية والخاصة التي تعاظمت على حساب المصلحة العامة للشعب والبلاد.

في المقابل أحست الجماعات التي كثيراً ما اعتاشت وبنت مصالحها على استمرار العقوبات وسياسات التشدد والحفاظ على حال التصعيد والتوتر مع الداخل والخارج، بأخطار توجهات الرئيس وآثارها السلبية في مصالحها ومكاسبها المتراكمة، فسارعت إلى استخدام ما تملكه من وسائل لعرقلة هذه التوجهات، سواء من خلال استخدام سلاح البرلمان وطرح الثقة في الوزراء، وصولاً إلى استجواب الرئيس والتهديد بعزله، أو من خلال استنفار قواعدها الاجتماعية للمطالبة بالعودة لسياسات التضييق على المجتمع، من خلال إعادة طرح موضوع تطبيق “قانون الحجاب الإجباري”، أو عرقلة جهود السلطة التنفيذية لإنهاء الرقابة على وسائل التواصل الاجتماعي، والتي شكلت أبزر الوعود الانتخابية لبزشكيان.

وإذا ما لجأت الجماعات المتشددة إلى تفعيل ما تملكه من نفوذ داخل منظومة السلطة والمؤسسات الرسمية فإن القوى الإصلاحية لم تتخلف عن الهجوم على الحكومة ورئيسها ولكن من منطلقات مختلفة، مطالبة الرئيس بخطوات أكثر عملية تعجّل في الانتقال إلى المواجهة الجدية مع المتشددين وإخراجهم من المواقع التنفيذية، وتطبيق سياسات انفتاحية أكثر جرأة على الصعيدين الداخلي والعلاقة مع المجتمع الدولي، فحاولت النأي بنفسها عن المسار الذي اتخذته إدارة بزشكيان للشأن العام وسياسة التضامن والوفاق الوطني، واستيعاب كل المكونات السياسية والحزبية ورفع مستوى الانتقادات والاعتراض على بعض مواقفه وسياساته، لكنها لم تذهب إلى إعلان تخليها عنه أو العداء معه، بناء على رؤيتها الخاصة التي تدعو إلى ضرورة الانتقال المؤلم إلى مرحلة جديدة، وقطع يد الجماعات المتسلقة التي تعمل من أجل مصالحها، وتمنع تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية والحريات الاجتماعية والفردية.

وفي وقت كانت الجماعات المتشددة تحذّر بزشكيان وفريقه والقوى الداعمة له من وصول الأمور إلى حدود المواجهة المفتوحة في الشارع، كان بزشكيان والقوى الإصلاحية يحذران من انفجار اجتماعي في ظل استمرار منظومة السلطة والجماعات المتمسكة بمصالحها الخاصة في موقفها المعرقل لأية عملية إصلاحية، وكان المرشد الأعلى موزعاً بين الاحتفاظ واسترضاء هذه الجماعة التي تشكل الظهير والداعم لسياساته وتوجهاته، وبين دعمه لبزشكيان وسياساته العلاجية للأزمات الاقتصادية وضرورات الانفتاح على الحوار مع المجتمع الدولي، تحت سقف الحد الأدنى من الشروط الإيرانية التي لا تشكل تنازلات قاسية أو خضوعاً للمطالب والإرادة الأميركية.
شكلت حرب الأيام الـ 12 فرصة أمام بزشكيان للدفع نحو تعزيز دور الحكومة وأجهزة الدولة في قيادة المشهد الإيراني، بخاصة أن الطرف الذي سبق أن هيمن على المشهد وعمل على تركيزه في يد المؤسسة العسكرية أصيب بانتكاسة قاسية وحادة، كشفت مدى هشاشة وضعف الإجراءات التي بنى عليها سرديته في التفوق والقدرة على معالجة جميع المسائل والتصدي لأي اعتداء، وأن الانكشاف الأمني المترهل قد نخر في عمق بنيته الأمنية والإدارية، وهو ما كلّفه أثماناً باهظة في صفوف قياداته العسكرية والعلمية وقدراته الإستراتيجية، أجبرته على الانكفاء والتخلي عن الاستعراض والمواقف غير الواقعية، وبالتالي البحث عن آليات المعالجة وسد الثغرات والعودة لنوع من حقيقة تقويم قدراته وحدودها.

كرة النار التي ورثها بزشكيان وقرر التعايش معها على أساس التقاسم في توزيع الأدوار بينه وبين المرشد والدولة العميقة، أو منظومة السلطة بعد أحداث يونيو 2025، لتتولى السلطة التنفيذية عملية الإنقاذ الاقتصادي والمعالجات المالية والأزمات الاجتماعية، وتكون المسائل السياسية والأمنية والعسكرية لدى المرشد وفريقه، وذلك كجزء من إستراتيجية عامة للتعامل مع المستجدات التي أنتجتها هذه الحرب، إضافة إلى اتضاح التوجهات الأميركية التي لا تبدو مصرّة على مواقفها ولا تتردد في الذهاب إلى الخيار الأصعب في تطبيق هدفها الإستراتيجي النهائي في التخلص من النظام ومؤسساته، والقضاء على جميع أوراق قوته في البرنامج النووي أو القدرات الصاروخية والردعية، أو في استمرار دوره ونفوذه على المستوى الإقليمي والتحالفات التي تهدد المصالح الأميركية.

وفي إطار هذا التقاسم في الأدوار، أو الأصح تسليم بزشكيان والانحناء نتيجة ارتفاع حدة التصعيد، فقد لا يكون مستبعداً وجود نوع من التفاهم الضمني بين المرشد والرئيس حول آليات المعالجة الاقتصادية وحدود التصدي لمراكز الضغط التي تعرقل العملية الإصلاحية وتمنع تحقيق العدالة الاجتماعية، فالتظاهرات التي اندلعت في الـ 28 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 نتيجة انهيار العملة الوطنية انطلاقاً من البازار، ورفعت شعارات واضحة تطالب بالمعالجات السريعة وإنقاذ الاقتصاد، شكّلت فرصة تاريخية لبزشيكان والمرشد لإجراء جراحة أساس في التركيبة الاقتصادية، إذ يقدم المرشد الغطاء لبزشكيان وحكومته للضرب بيد من حديد في التصدي للبؤر الاقتصادية التي تخدم فئة المعتاشين على الأزمات والامتيازات واستمرار العقوبات، وتطبيق إصلاحات جذرية تمنع الانفجار ومن ثم الانهيار، لكن التطورات التي شهدتها التظاهرات وتحولها من مطلبية اقتصادية إلى سياسية وتغييرية، أنهت هذه الفرصة التي بدأت بالحوار مع المعترضين، وانتقلت إلى مواجهات دامية بين نظام يحاول الدفاع عن وجوده مع جماعات تريد القضاء عليه والانقلاب ضده وإنهاءه سياسياً وسلطوياً، بدعم خارجي أميركي وإسرائيلي، وتراكم طويل من المعارضة، مما أعاد المؤسسة العسكرية والأمنية والقبضة الحديدية لمنظومة السلطة والدولة العميقة للواجهة من جديد، وقد برز ذلك من خلال استبعاد بزشكيان من مخاطبة المتظاهرين الذي خرجوا في الـ 12 من يناير (كانون الثاني) الجاري لدعم النظام، وتولي رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف الآتي من مؤسسة “حرس الثورة” والدولة العميقة هذه المهمة، وبالتالي استطاعت هذه المنظومة والمرشد الأعلى توجيه رسالة واضحة للداخل بأنه لن يُسمح لأية عملية إصلاحية أن تؤدي إلى إضعاف النظام وقدراته وسيطرته، وللخارج بألا تنازل عن أوراق القوة التي يملكها، حتى وإن أدت إلى إشعال حرب أو هجوم عسكري ضد قدراته العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى تشديد العزلة والحصار، وصولاً إلى السير على حافة الهاوية التي قد تقوده إلى الانهيار.

نقلاً عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى