أهم الأخبارمقالات

إيران بين احتجاجات البقاء للمواطن والنظام

يحاور المسؤولون قادة التظاهرات داخلياً ويتبادل الرسائل السرية مع إسرائيل خارجياً لضمان عدم المواجهة حالياً

 

هدى رؤوف

تستهل إيران العام الجديد 2026 بالحوار اعتادت طهران اللجوء إلى لغة الحوار عندما تشتد الأزمات، فتحاور المحتجين وإسرائيل، وتقف حالياً بين معركتين: الأولى “البقاء للمواطن”، ويخوضها المواطنون عبر الاحتجاجات، أما الثانية فهي معركة “البقاء للنظام” نفسه ويراسل في شأنها إسرائيل.

وفي وقت يشدد الخطاب الإيراني الداخلي على ضرورة الحفاظ على التماسك الداخلي ومحاولة تجنب التوترات مع إسرائيل، اندلعت الاحتجاجات والإضرابات الأخيرة في طهران وامتدت إلى مدن أخرى لتعادل في التخوف من تأثيراتها الاحتجاجات التي تلت وفاة الشابة مهسا أميني.

اندلعت الاحتجاجات حديثاً ضد ارتفاع سعر الصرف وتراجع القدرة الشرائية وعدم استقرار الوضع الاقتصادي، ووصلت موجة الضغوط المعيشية المتراكمة على مدى أعوام، والتي تُثقل كاهل مختلف شرائح المجتمع، بمن فيهم الممرضون والمعلمون والمتقاعدون والعمال، إلى الأسواق، وهي متجذرة في ضعف القدرة الشرائية الشديد وارتفاع التضخم وانخفاض الأجور، فقد كان مركز التوترات في السوق الكبيرة التي تعد شريان الحياة للعاصمة طهران، وحدث ذلك نتيجة تقلبات العملات والذهب، فارتفعت أسعار السلع الأخرى.

عرض الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التشاور مع قادة الاحتجاجات معترفاً بحقهم في التظاهر، فضلاً عن استقالة محافظ البنك المركزي، لكن لا يزال الاستياء مستمراً.

وتستمر احتجاجات الوضع الاقتصادي في وقت حرج لإيران، إذ تعاني انحسار نفوذها الإستراتيجي وتسعى إلى تجنب التوترات مع إسرائيل وإقناع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالمسار الدبلوماسي، ومع ذلك تتصاعد تهديدات ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول إمكان جولة ثانية من المواجهة العسكرية ضد إيران حال طورت قدرتها النووية أو الصاروخية، ثم جاءت الاحتجاجات التي انضمت إليها فئة جديدة، ليست من متدني الأجور أو العمال والممرضات وذوي الأوضاع المهنية المتدنية، ولكنها فئة تجار السوق، ثم استمر إغلاق المحال والأسواق، وتتحسب دائماً الحكومات الإيرانية لإغلاق الأسواق وإغضاب طبقة التجار، لأن أصحاب المحال والتجار لعبوا دوراً رئيساً في الثورة الإيرانية، وهم جزء من شبكة المصالح حول النظام.

عملت الاحتجاجات المندلعة حالياً على إثارة الجدل بين المتشددين والحكومة، فالرئيس بزشكيان يرى أنه ليس مسؤولاً عن تصحيح الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما في ظل وجود مؤسسات تترصد لسياساته، وفي المقابل فإن التيار المتشدد ومن خلال البرلمان وضع مشروع قانون الموازنة الجديد أمام تحديات كبيرة، إذ رفضت لجنة توحيد الموازنة البرلمانية، بغالبية الأصوات، الخطوط العريضة لهذا المشروع الذي من المفترض أن يحدد إطار إيرادات الدولة ونفقاتها للعام المقبل، وأُحيل إلى جلسة عامة للبرلمان الذي يرى أن الموازنة المقترحة من الحكومة غير قادرة على دعم القدرة الشرائية للمواطنين وتحسين سبل عيشهم، وقد أعرب الأعضاء عن مخاوفهم من آثار التضخم وانعدام الشفافية في توزيع الموارد، وضعف الحماية المقدمة للعاملين بأجر.

وعلى رغم كون تدهور الأوضاع الاقتصادية ليس جديداً على النظام الإيراني الذى يعيش في ظل العقوبات الاقتصادية والمالية والعسكرية، يمثل السياق الإقليمي والعالمي تحدياً للنظام، فضلاً عن انضمام طبقة عمال الأسواق، ويتأزم الوضع بفعل عودة العقوبات الأممية على خلفية تفعيل آلية “سناب باك” والتهديد الإسرائيلي بضربة عسكرية، وهذه المرة كانت الاحتجاجات كاشفة لأسباب عدة للتدهور الاقتصادي، فالموازنة الجديدة للحكومة تتضمن رفعاً محتملاً للضرائب فضلاً عن عدم قدرة الحكومة على منع تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

يعاني الاقتصاد الإيراني العقوبات واختلال السياسات الاقتصادية والمالية، فمع وصول التضخم إلى نحو 42 في المئة وارتفاع بعض السلع الغذائية والأساس إلى 72 في المئة، فضلاً عن تكرار شكاوى عدم عدالة توزيع ما لدى الحكومة من عملات أجنبية تساعد فيها الشركات المختلفة، بل تتجه العملات لبعض الأطراف من دون غيرها، مما تسبب مثلاً في عجز لدى بعض الشركات الطبية في سد عجز بعض الأدوية.

تعكس الاحتجاجات الحالية في الأسواق أن سبل عيش مختلف شرائح المجتمع تتعرض لضغوط شديدة جراء التضخم وارتفاع كُلف المعيشة والتشغيل، وهو ما يُظهر أن السخط الاقتصادي في إيران قد تجاوز بعض الطبقات الاجتماعية، وتحول إلى أزمة عامة نتيجة اختلالات هيكلية في قطاع الطاقة والسياسات النقدية والأجور، وفي ظل الموقف المتأزم داخلياً وخارجياً يحاور النظام الإيراني قادة الاحتجاج داخلياً، ويتبادل الرسائل السرية مع إسرائيل خارجياً حول عدم المواجهة حالياً، وإدارة التوترات بينهما موقتاً.

نقلاً عن اندبندنت عربية

موضوعات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى