
أزمة بيئية متصاعدة: كيف أصبحت الأحواز الأكثر تلوثا في العالم؟
تواصل مدينة الأحواز تصدرها قوائم المدن الأكثر تلوثا في العالم، في ظل تفاقم أزمة بيئية معقدة ترتبط بشكل مباشر بسياسات الاحتلال الإيراني طويلة الأمد، خاصة في مجالات إدارة الموارد المائية، وبناء السدود، وتدهور قطاع النفط، إلى جانب ضعف الالتزام بالمعايير البيئية.
وتشير تقارير حديثة إلى أن الأحواز لا تزال تعاني من مستويات مرتفعة للغاية من الجسيمات الدقيقة، لا سيما PM2.5، التي تعد من أخطر ملوثات الهواء على صحة الإنسان.
مؤشرات مقلقة وأرقام قياسي
لطالما عرفت الأحواز بأنها من أكثر المدن تلوثا، إلا أن الأرقام الأخيرة تعكس تصعيدا غير مسبوق في حجم الأزمة، في 2024، سجلت المدينة نحو 211 يوما تجاوز فيها مؤشر جودة الهواء مستوى 100، وهو الحد الذي يصنف الهواء بعده كغير صحي.
كما أكدت تقارير صادرة في عام 2025 استمرار تصدر الأحواز قائمة المدن الأكثر تلوثا عالميا، في مؤشر يعكس فشل السياسات الحالية في احتواء الأزمة.
وتتجاوز مستويات الجسيمات الدقيقة في بعض الأيام ما بين 6 إلى 11 ضعف الحد المسموح به من قبل منظمة الصحة العالمية، ما يضع السكان أمام مخاطر صحية جسيمة تشمل أمراض الجهاز التنفسي والقلب، ويزيد من معدلات الوفيات المرتبطة بالتلوث.
السدود وتجفيف هور العظيم: كارثة بيئية متفاقمة
تعد سياسات إدارة المياه، وخاصة الإفراط في بناء السدود ونقل الميه إلى العمق الفارسي من قبل الاحتلال الإيراني، من أبرز العوامل التي ساهمت في تفاقم أزمة التلوث، فقد أدى إنشاء سدود على أنهار رئيسية مثل نهر كارون ونهر الكرخة إلى تقليص تدفق المياه نحو الأراضي الرطبة.
وكانت النتيجة الأبرز هي تدهور مستنقع هور العظيم (هور الحويزة)، الذي تقلصت مساحته من نحو 124 ألف هكتار في سبعينيات القرن الماضي إلى أقل من 60 ألف هكتار، كما أدى بناء جدار حدودي بطول 65 كيلومترا منذ عام 2009 إلى مزيد من تقييد تدفق المياه.
وقد أدى هذا الجفاف إلى تحويل قاع المستنقع إلى مصدر رئيسي للغبار الناعم، ما ساهم في زيادة العواصف الترابية، ووفقا لهيئة الأرصاد الجوية بطهران، فإن معظم الغبار الذي يغطي الأحواز مصدره داخلي، وتحديدا من غرب الأحواز، وليس من دول الجوار فقط.
وفي اعتراف لافت، أقر وزير النفط الإيراني السابق محسن باك نجاد عام 2014 بأن السياسات الحكومية ساهمت في تجفيف الأراضي الرطبة والإضرار بسكان المنطقة.
سد غوتفاند: مثال على سوء التخطيط
يعد سد غوتفاند أحد أبرز الأمثلة على المشاريع المثيرة للجدل، حيث تم بناؤه فوق قبة ملحية رغم تحذيرات الخبراء، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع ملوحة مياه نهر كارون بشكل حاد، ما تسبب في تدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وزيادة التصحر، وبالتالي ارتفاع معدلات الغبار في المنطقة.
ويرى خبراء أن مثل هذه المشاريع تعكس نفوذ ما يعرف بـ”مافيا المياه”، وهي شبكات من المصالح المرتبطة بمؤسسات نافذة، دفعت باتجاه تنفيذ مشاريع دون إجراء تقييمات بيئية كافية.
صناعة النفط والغاز: مساهمة كبيرة في التلوث
وتلعب الأحواز دورا محوريا في اقتصاد الاحتلال الإيراني، حيث توفر أكثر من 80% من إنتاج النفط والغاز، إلا أن تطوير الحقول النفطية، مثل حقل حقل سهل ميسان “آزادكان”، تم في كثير من الأحيان دون مراعاة للمعايير البيئية.
وقد أدت عمليات الحفر ومد خطوط الأنابيب وبناء الطرق داخل الأراضي الرطبة إلى تعطيل تدفق المياه وتجفيف أكثر من 50 ألف هكتار من هور العظيم.
كما تنتشر نحو 65 شعلة غاز (فلير) في محيط الأحواز، تطلق كميات كبيرة من الملوثات، بما في ذلك الجسيمات الدقيقة والهيدروكربونات والمعادن الثقيلة.
ورغم مطالبات محلية بإغلاق هذه المشاعل أو تقليلها، لم تتخذ إجراءات فعالة حتى الآن، ما يزيد من تفاقم الأزمة الصحية والبيئية.
سوء إدارة الزراعة واستنزاف الموارد المائية
كما تظهر البيانات أن القطاع الزراعي في إيران يستهلك أكثر من 90% من الموارد المائية، رغم أن مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي لا تتجاوز 10%.
ويعتمد هذا القطاع بشكل كبير على أساليب ري تقليدية منخفضة الكفاءة، ما يؤدي إلى هدر كميات ضخمة من المياه.
كما ساهمت سياسات تحويل مجاري الأنهار إلى مناطق أخرى أو لمشاريع زراعية كبرى في حرمان الأراضي الرطبة من حصتها المائية، ما أدى إلى تدهورها. ويضاف إلى ذلك ممارسات مثل حرق القصب وحقول قصب السكر، التي تطلق كميات كبيرة من الدخان والملوثات في الهواء.
أما محاولات الحكومة لمكافحة التصحر، مثل تغطية الكثبان الرملية، فقد أثبتت محدودية فعاليتها، بل وأسهمت في بعض الأحيان في تدمير التنوع البيولوجي.
وكذلك تعاني جهود مكافحة التلوث من نقص واضح في التمويل وضعف في التنفيذ، ففي عام 2013، تقدم 18 نائبا من الأحواز باستقالاتهم احتجاجا على عدم تخصيص ميزانيات كافية لمواجهة أزمة الغبار.
كما اتسمت المواقف الرسمية في بعض الأحيان بالإنكار، حيث أرجعت جهات بالاحتلال الإيراني أسباب التلوث إلى مصادر خارجية، مثل العراق، رغم وجود أدلة علمية وتصريحات رسمية تؤكد أن الجزء الأكبر من المشكلة ناتج عن عوامل داخلية.
تداعيات صحية واحتجاجات شعبية
وأدت سياسيات الاحتلال بحق النظام البيئي في الأحواز إلى تداعيات صحية خطيرة، حيث يتوجه آلاف المواطنين الأحوازيين سنويا إلى المستشفيات بسبب أمراض مرتبطة بالتلوث، وتشير تقديرات إلى تسجيل 1624 حالة وفاة مرتبطة بتلوث الهواء في الأحواز خلال عام واحد فقط.
وقد أثارت الأوضاع موجات من الاحتجاجات الشعبية منذ عام 2016، تحت شعارات مثل “الهواء والماء حقنا”، في تعبير واضح عن تصاعد الغضب الشعبي تجاه السياسات البيئية.
ورغم أن العقوبات الدولية حدت من قدرة طهران على الوصول إلى التكنولوجيا النظيفة، يؤكد خبراء أن السبب الرئيسي للأزمة يكمن في سياسات لاحتلال التي أعطت الأولوية لمصالح طهران على حساب الاستدامة البيئية.
وفي ضوء المعطيات السابقة، يرى خبراء أن حل الأزمة يتطلب تغييرات جذرية، تشمل إعادة تأهيل الأراضي الرطبة، وضمان تخصيص حصص مائية كافية لها، وتقليل الاعتماد على مشاعل الغاز، وتطبيق معايير بيئية صارمة على الصناعات الثقيلة.
وفي ظل استمرار الأوضاع الحالية، تبقى أزمة التلوث في الأحواز ليست مجرد قضية بيئية، بل أزمة متعددة الأبعاد تمس الصحة العامة والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، ما يجعل معالجتها ضرورة ملحة لا تحتمل التأجيل.
*المصادر: هيئة الأرصاد الجوية الإيرانية | وكالة ISNA | تقارير منظمة حماية البيئة | دراسات أكاديمية محكّمة (MDPI) | تصريحات رسمية 2014



