
الأمية تتسع في إيران.. أزمة تعليمية تهدد مستقبل الأجيال الجديدة
رغم مرور أكثر من أربعة عقود على قيام النظام الإيراني، ما تزال الأمية والتسرّب التعليمي تمثلان تحديًا حقيقيًا في عدد من المناطق الإيرانية، خصوصًا في الفقيرة والمهمشة منها ، في وقت يواصل فيه النظام تخصيص موارد مالية وعسكرية ضخمة لدعم المليشيات والجماعات المسلحة المتحالفة معه في المنطقة.
وبينما تؤكد السلطات الإيرانية تحقيق تقدم في قطاع التعليم مقارنة بمرحلة ما قبل عام 1979، تكشف المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية استمرار فجوات واسعة في العدالة التعليمية، خاصة بين المدن الكبرى والأقاليم الطرفية، وهو ما يعكس اختلالًا أعمق في أولويات الإنفاق والسياسات التنموية داخل البلاد.
تشير بيانات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” والبنك الدولي إلى أن معدل الإلمام بالقراءة والكتابة في إيران تجاوز 85 بالمئة خلال السنوات الأخيرة، إلا أن هذه النسبة تخفي تفاوتًا حادًا بين الفئات العمرية والمناطق الجغرافية، حيث تعاني المدارس من ضعف البنية التحتية ونقص الكوادر التعليمية وارتفاع معدلات الفقر.
وبحسب تقارير إيرانية رسمية، لا يزال ملايين الإيرانيين يعانون من الأمية أو الأمية الوظيفية، وهي الحالة التي يستطيع فيها الفرد القراءة والكتابة بشكل محدود دون امتلاك المهارات التعليمية الأساسية اللازمة للحياة والعمل الحديث.
وقد أعلن مسؤولون في “نهضة محو الأمية” الإيرانية خلال الأعوام الأخيرة أن عدد الأميين فوق سن العاشرة يُقدّر بعدة ملايين، رغم الحملات الحكومية المستمرة منذ عقود.
ويرى مختصون أن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى، خصوصًا مع وجود تسرب مدرسي في المناطق الفقيرة .
ولا يمكن فصل أزمة التعليم والأمية في إيران عن الوضع الاقتصادي العام، فقد أدى التضخم المرتفع وتراجع قيمة العملة الإيرانية خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة الضغوط على الأسر، ما دفع كثيرًا من الأطفال إلى ترك الدراسة والانخراط في سوق العمل المبكر لمساعدة عائلاتهم.
وتشير تقديرات صادرة عن وسائل إعلام إيرانية وتقارير اجتماعية إلى ارتفاع معدلات عمالة الأطفال في بعض المدن والأقاليم الفقيرة، خاصة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الدولية وسوء الإدارة الاقتصادية.
وفي مقابل هذه التحديات الداخلية، يواصل النظام الإيراني توجيه موارد كبيرة نحو مشروعاته الإقليمية. فمنذ سنوات، تتهم الولايات المتحدة ودول غربية وعربية طهران بتمويل وتسليح جماعات مسلحة في عدة دول، من بينها حزب الله في لبنان، و الحوثي في اليمن، إضافة إلى فصائل مسلحة في العراق وسوريا مرتبطة بـ الحرس الثوري الإيراني.
وتؤكد تقارير بحثية غربية أن هذا الدعم كلّف إيران مليارات الدولارات على مدار سنوات، في وقت تواجه فيه قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية ضغوطًا متزايدة داخل البلاد.
ويثير هذا التناقض انتقادات متزايدة داخل إيران نفسها، حيث يرى معارضون ونشطاء أن الأموال التي تُنفق خارج الحدود كان يمكن أن تُستخدم لتحسين المدارس وتطوير البنية التعليمية وتوفير فرص أفضل للأطفال والشباب.
وقد ظهرت هذه الانتقادات بوضوح خلال موجات الاحتجاج التي شهدتها البلاد ، عندما رفع متظاهرون شعارات تطالب بالتركيز على الداخل الإيراني بدلًا من الإنفاق الخارجي.
كما انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي حملات تنتقد تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص الإمكانات التعليمية مقارنة بحجم الإنفاق العسكري والإقليمي.
وتشير تقارير محلية إلى أن العديد من المدارس الإيرانية، خاصة في المناطق الريفية، تعاني من تهالك المباني ونقص وسائل التدفئة والتجهيزات الأساسية.
وفي بعض المناطق، أُجبر طلاب على الدراسة في فصول مكتظة أو مبانٍ مؤقتة، بينما شهدت السنوات الماضية حوادث متكررة مرتبطة بسوء البنية التحتية التعليمية.
كما اشتكى معلمون من تدني الرواتب وتأخر المستحقات وضعف الدعم الحكومي للقطاع التعليمي.
ورغم هذه الانتقادات، تقول السلطات إن العقوبات الغربية، وليس الإنفاق الخارجي، هي السبب الرئيسي في الضغوط الاقتصادية التي تؤثر على الخدمات العامة والتعليم.
غير أن خبراء اقتصاديين واجتماعيين يرون أن المشكلة لا ترتبط فقط بالعقوبات، بل أيضًا بطريقة توزيع الموارد وأولويات الإنفاق، كما أن هيمنة المؤسسات المرتبطة بالدولة والأجهزة الأمنية على قطاعات واسعة من الاقتصاد، وفق تقديرات اقتصادية، أضعفت كفاءة الإنفاق العام وحدّت من فرص الإصلاح الحقيقي.
وتتجاوز آثار الأمية وضعف التعليم الجانب الثقافي لتشمل الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، فضعف التعليم يؤدي إلى انخفاض الإنتاجية وزيادة معدلات البطالة والفقر، كما يحد من قدرة الشباب على الاندماج في سوق العمل الحديث.
وتشير دراسات دولية إلى وجود علاقة مباشرة بين جودة التعليم ومستويات التنمية الاقتصادية، ما يعني أن استمرار الفجوات التعليمية في إيران قد يفاقم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات المقبلة.
كما تواجه إيران تحديًا إضافيًا يتمثل في هجرة الكفاءات العلمية والأكاديمية إلى الخارج، فالكثير من الطلاب والخريجين المتفوقين يسعون إلى استكمال دراستهم أو العمل في دول أخرى بسبب ضعف الفرص الاقتصادية والبحثية داخل البلاد.
ويرى محللون أن هذه الظاهرة تُضعف قدرة إيران على تطوير قطاعها العلمي والتكنولوجي على المدى الطويل، رغم امتلاكها قاعدة بشرية كبيرة ومعدلات مرتفعة نسبيًا من خريجي الجامعات.
وتكشف أزمة الأمية والتعليم في إيران عن مفارقة عميقة بين الطموحات الإقليمية للنظام والتحديات الداخلية المتفاقمة. فبينما تواصل طهران توسيع نفوذها السياسي والعسكري خارج حدودها، لا تزال شرائح واسعة من الإيرانيين تواجه صعوبات تتعلق بأبسط الحقوق الأساسية، وعلى رأسها التعليم الجيد والمتكافئ.



