أخر الاخبار

هاس وإيران.. زمن الانسداد التاريخي

2019-07-11 10:06:13




الكاتب: إميل أمين

هل وصلت الأزمة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران إلى مرحلة انسداد تاريخي مرة وإلى الأبد؟

الجواب ليس من اليسير العثور عليه، وإن كانت علامات عدة تؤكد أن ذلك كذلك بالفعل، لاسيما في ضوء صراع الإرادات غير القابل للقسمة أو التفاوض بين الطرفين، الأمر الذي رجحته عدة قراءات مهمة إلى درجة الخطورة الأيام القليلة المنصرمة.

يعد مجلس العلاقات الخارجية الأميركي أحد أهم مراكز التفكير الأميركية، والذي تأسس عام 1921، أي أنه يقترب في خبراته من مئة عام، ولهذا يعد الخلفية الفكرية الغالبة للسياسات الخارجية الأميركية، وبمثابة الحاضنة الرؤيوية الأهم لساكن البيت الأبيض، ويقف على رأسه ومنذ العام 2003 أحد أهم المنظرين للسياسات الأميركية المعاصرة "ريتشارد هاس"، مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

خرج علينا المجلس بقراءة مثيرة يكاد المرء يفهم من سطورها أننا مقبلين على مجابهة عسكرية لا محالة، في زمن ندرت فيه المعجزات، ولم تعد سياسات حافة الهاوية تنفع أو تشفع.

باختصار غير مخل، يرى التقرير أن واشنطن نجحت في حشر إيران في زاوية ضيقة عبر فرض عقوبات شديدة عليها، لكن الإشكالية هي أن الولايات المتحدة الأميركية بدورها اكتشفت أنها في زاوية مماثلة بعدما قامت إيران بانتهاك الاتفاق النووي الموقع عام 2015 مع 6 دول كبرى، وذلك عبر زيادة نسبة تخصيب اليورانيوم، إلى نسبة أكبر من المسموح به، وصلت بالفعل إلى 5% وتهدد طهران بأنها يمكن أن ترفع النسبة إلى 20% في القريب.

ما هي خيارات إيران وماذا عن البدائل المطروحة أمام إدارة الرئيس ترامب في هذا السياق وربما السباق المزعج؟

بداية يمكن القول إن الإيرانيين ليس لديهم شيء ما يخسرونه، لاسيما أن العقوبات قائمة وقادمة بأسوأ صورة، بل إن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون وفي كلمته نهار الاثنين أمام ما يعرف بمجموعة " المسيحيين المتحدين من أجل إسرائيل"، إحدى أهم وأقوى الجماعات اليمينية الأميركية الداعمة لإسرائيل، أشار إلى أن العقوبات الحالية مجرد بداية، وأن بلاده سوف تزيد من الضغط على إيران حتى تتخلى عن برنامجها النووي".

تكاد إيران في واقع الحال تختنق من جراء العقوبات التي رآها بولتون حتى الساعة أولية، والتي كبدت الاقتصاد الإيراني أكثر من خمسين مليار دولار، وبلغ الغضب الإيراني حد الانفجار مع العقوبات التي أضرت بالمرشد الأعلى خامنئي ومؤسساته المالية التي تتراوح قيمتها بين 200 و400 مليار دولار، ما جعل ويجعل من الهروب إلى الأمام هو الطريق الوحيد أمام طغمة الملالي الحاكمة.

ليس لدى الإيرانيين ما يخسرونه إن مضوا قدما في طريق التخصيب، والسير عكس اتجاه ما يرتئيه العالم برمته، فقد خسروا الرهان على الأوربيين، ويعلمون علم اليقين أنه وقت القارعة سوف تلتزم روسيا الحياد، فيما الصينيون لم تأت ساعتهم بعد للالتحام مع العم سام، ولديهم ما يكفي في بحر الصين الجنوبي، وتايوان من مواجهات مع الأميركيين.

على الجانب الأميركي يضيق هامش المناورة إلى أبعد حد ومد، فقد أعد الإيرانيون أنفسهم منذ زمان وزمانين للحظة مماثلة، ولديهم مقدرة بدرجة أو بأخرى على الصمود لسنوات مع كافة أشكال العقوبات الاقتصادية الأميركية، حتى وإن تضاعفت، ولن يعدموا وسيلة أو أخرى لتهريب وتسريب بعض من النفط خاصتهم إلى خارج البلاد وبأي أسعار.

السؤال الآن هل سيقبل ترامب استمرار إيران في التخصيب وزيادة النسبة المخصبة من اليورانيوم، وإعادة دوران عجلة البرنامج النوي الإيراني بزخم كبير؟

يعلم الأميركيون أن الطريق لحيازة إيران قنبلة نووية طويل وشاق لاسيما في ظل الحاجة إلى كميات كافية من المواد الانشطارية اللازمة لصناعة قنبلة نووية، كما أن إيران تحتاج إلى خبرات علمية يشك في أنها متوافرة لديها تتصل بتطوير أجهزة التفجير، ما يعني أن الأمر قد يستغرق عشرة أعوام أو أكثر.

لكن رهانات إيران دائما وأبدا طويلة المدى، ولا تنظر إلى حساب الحصاد السريع، وإنما تعمل جاهدة على أن يكون حساب الحقل والغرس هو الأهم والأجدر بالمتابعة، ويعلمون أن الحصاد له أو أنه، ما يعني تدمير الاتفاق النووي لعام 2015 نهائيا، وضياع الأمل في الوصول إلى اتفاق جديد.

حكما هذا خيار مرفوض، وعلى غير المصدق الرجوع إلى تصريح الرئيس ترامب أوائل الأسبوع الجاري بأن على "إيران أن تحذر"، مضيفاً للصحافيين في قبل إقلاعه من نيوجيرسي أن "إيران تخصب اليورانيوم لسبب واحد، لكنني لن أخبركم بهذا السبب، ولكنه ليس جيدا، من الأفضل أن يحذروا".

إيران لن تمتلك السلاح النووي... هذه خلاصة رؤية ترامب، لكن أي طريق يتبقى للحؤول دون ذلك؟

يكاد المرء يوقن بأن الخيار العسكري هو أقصر الطرق، وإن كانت كافة الترجيحات الأميركية لا تميل إليه، والتصريحات تحاول أن تتجنبه، واعتباره غير مفضل في الحال... لكن هل يمكن أن يكون المشهد مغايرا في الاستقبال؟

من أدبيات السياسة الكلاسيكية أن من يوسوس في أذن الملك أخطر من الملك، وهنا ربما علينا أن نقرأ الأزمنة والشخوص بعين ميتافيزيقية إن جازت الاستعارة، عين ترى أبعد مما هو شاخص أمام الأبصار.

 

ثلاثة من الكبار من حول ترامب يفضلون الطرح العسكري، بولتون صقر المحافظين الجدد الذي يؤمن بأنه لكي توقف قنبلة إيران النووية فإن عليك أن تضرب إيران بقنبلة، ومايك بومبيو الرجل الذي لم تغيره الخارجية وتنسيه أصوله كرجل استخبارات مركزية، والعارف بعمق الخطر الذي يمكن أن ينتج عن إيران نووية، والثالث هو نائب الرئيس مايك بنس، المغرق في الهوى الإنجيلي والتنبؤات الأبوكاليبسية، عطفا على ميله الفطري لزمن الاسكاتولوجيا والتي لن يحين موعدها إلا بحرب نهائية في الشرق الأوسط بين قوى الخير وقوى الشر، وإسرائيل دائما في القلب منها.

بنس لم ينقص حديثه الصراحة في خطابه أمام التجمع المشار إليه سلفا الخاص بالمسيحيين الأميركيين الملكيين أشد من الملك والكاثوليك أكثر من البابا لجهة دعم إسرائيل، فقد أشار بنس إلى أن أميركا لا تسعى إلى الحرب، لكنه أكد أن بلاده مستعدة، واستخدم تعبيرا مثيرا.. "أميركا لن تتراجع"، وكأنه يؤكد على أن تغاضي واشنطن عن إسقاط الطائرة الأميركية المسيرة لن يتكرر مرة أخرى، وأنه لا مجال للمقولة الشهيرة "من آمن العقاب أساء الأدب".

إيران تدفع أميركا في طريق الحرب، هذا هو الخيار المفضل لديها قطعا، سيما وأن الأخبار الواردة من طهران تشير إلى أنها تعد العالم كله لحروب إرهاب ميليشياوية، وأميركا تعلم هذا جيدا، وتريد أن تسقط الثمرة من الداخل، ومن دون تكلف عناء معركة مزعجة في عام انتخابات رئاسية.

غير أنه حين سيشعر الملالي بأن ثورتهم الدوجمائية مهددة بالضياع ساعتها سيكون الخيار شمشون هو طريقهم القريب، ويومها ستكون واشنطن مجبرة على ملاقاتهم في ميدان الوغي.

نافذة الأحداث تقترب من الانسداد التاريخي قولا وفعلا كما رأى ريتشارد هاس في نبوءة تكاد تضحى ذاتية التحقق.