أخر الاخبار

مسارات جديدة للحراك المضاد للنفوذ الإيراني في الإقليم

2019-12-05 13:46:09




الكاتب: د.طارق فهمي

كثيرا ما تباهى المسؤولون الإيرانيون تباعا أن طهران موجودة في عدة عواصم عربية، وأن حضورها ممتد؛ حيث العلاقات مع الحشد الشعبي في العراق، وحزب الله في لبنان، والتيار الحوثي في اليمن، إضافة لوجودها العسكري عبر قوات الحرس الثوري في سوريا، وكذلك في قطاع غزة؛ حيث علاقاتها الممتدة مع حركة الجهاد الفلسطيني وحركة حماس وصابرون.

واليوم لا يمكن للمسؤولين الإيرانيين أن يعيدوا التأكيد على هذه المقولة في ظل الثورة الحالية في العراق، وحالة الحراك الشعبي التي أدت لاستقالة الحكومة، وتحرك الشعب اللبناني لتغيير معادلة الأمر الواقع التي سنّها حزب الله منذ سنوات، وعمل على تكريسها في إطار مشروع المحاصصة الطائفية التي جاءت نتاج الحرب الأهلية واتفاق الطائف، كما أن التيار الحوثي في اليمن مني بهزائم متتالية نتيجة الأداء العسكري لقوات التحالف من أجل استعادة الشرعية، إضافة إلى ما يجري بالفعل في إيران، وينذر بثورة على حكم المرشد وأتباعه الذين ظنوا أنهم قادرون على الإمساك بحكم دولة كبيرة مثل إيران، والاستمرار في منهج تصدير الثورة الذي اتبعه قادة إيران في الإقليم، وظنوا أنهم قادرون على الاستمرار في حضورهم الأيديولوجي والمصلحي تارة، والعسكري الاستراتيجي تارة أخرى، والآن يتعرض النفوذ الإيراني في الإقليم، بل المشروع الإيراني بأكمله للانهيار في ظل حالة الحراك التي تعم الإقليم، وجزء منها اعتراضا على الوجود الإيراني في لبنان والعراق، وهو ما قد يفضي لنتائج مختلفة وانعكاسات حقيقية على التعاملات الإيرانية في المنطقة، خاصة أن هذه التعاملات تركز على التمويل، وشراء الولاءات والعمل على توفير مظلة لتحركات الوكلاء الذين ينفذون ما كان يصاغ في إيران.

ولعلنا نتذكر أن إيران أنفقت نحو 16 مليار دولار على العراق ولبنان واليمن منذ عام 2013، و10 مليارات في سوريا، مع توجيه نحو 700 مليون دولار لحزب الله في سوريا، واليوم تتغير الأمور في ظل التأزم الاقتصادي والحراك الجاري في العديد من المدن الإيرانية، والذي يطالب بمراجعة مجمل السياسات التدخلية الإيرانية في الإقليم، والكف عن الممارسات المباشرة في توجيه الأزمات، خاصة أن القوى الداعمة لإيران لن تقبل بهذا الوضع في ظل التحفظات على النهج الإيراني الراهن، وعلى رأس هؤلاء روسيا تحديدا، الشريك التضامني لإيران في سوريا، ومن ثم فإن إيران في مأزق حقيقي قوامه ما يجري في العواصم العربية من جانب، وحالة الغليان من الداخل والنهج الأمريكي الساعي للضغط على إيران بمنظومة العقوبات من جانب آخر، وفي ظل ضغوط مباشرة من فرنسا وألمانيا لدفع إيران للتماهي مع بنود الاتفاق النووي، وإلا فإن التحذير الأوروبي قائم بالخروج من الاتفاق، وهو ما هددت به فرنسا مؤخرا.

 

ومن ثم فإن النظام الإيراني ليس في فسحة من الوقت ولم يعد يملك خيارات مفتوحة، بل بالعكس تضيق خياراته الحقيقية بصورة مباشرة، خاصة أنه ما زال يواجه خطر الدخول في مواجهة مع الإدارة الأمريكية، رغم رهانات الإدارة الحالية على استبعاد الخيار العسكري والاعتماد على سياسة العقوبات، كأسلوب أمثل، ولكن تبقى الفرضية قائمة حتى مع استمرار الإدارة الحالية في موقعها لولاية جديدة، ولعل متابعة دقيقة لمضمون المظاهرات في إيران، ورفعها شعارات "لا لغزة ولا لبنان" يشير إلى توجه شعبي حقيقي، يطالب بضرورة الكف عن الممارسات الراهنة، والتي تستهدف التأكيد على قوة إيران في الإقليم، وحضورها في أزماته وبالقرب من تفاعلاته، كما أن قمع المظاهرات الراهنة في الداخل الإيراني خاصة في شيراز ليس حلا، فالوضع المالي والاقتصادي منهار فعلا، وتبقى إشكالية الولاء والمساندة للمرشد هي المحك الرئيسي في التعامل مع السيناريو المقبل، وفي ظل تحفظات بعض القيادات الدينية الكبيرة على إدارة المشهد، ومن المؤكد أنه سيكون لها قرارها المهم في التوقيت المناسب.

ومن الداخل إلى الإقليم سيظل السؤال: ماذا تملك إيران لإسكات ما يجري في العراق ولبنان؟ والإجابة ببساطة لا شيء، خاصة أن الرأي العام الإيراني بات يتشكك بالفعل في توجهات النظام بأكمله، ويرى أن المؤسسة الحاكمة بكل أطرافها لا تريد أن تعمل، إلى جانب خيارات الشعب الإيراني، بل تقف في مواجهة مصالحه، وستعمد لاستخدام كل ما لديها من إمكانيات لإسكات حالة الحراك الكبير في المدن الإيرانية، بالإضافة لمحاولة شراء الوقت "للوكلاء"، باعتباره الإجراء الأمثل، ولحين التوصل إلى نقطة توازن قد يستعيد من خلالها النظام الإيراني عافيته، وهو أمر مستبعد تماما في ظل ما سيجري ويستهدف الحد، بل محاصرة الهيمنة الإيرانية على القرار السياسي في العراق ولبنان وسوريا وغزة.