أخر الاخبار

حكومة الكاظمي ومهمة استعادة العراق

2020-06-17 04:24:49




الكاتب: أمل عبد الله الهدابي

بدأ العراق مرحلة جديدة من مسيرته السياسية مع تعيين رئيس المخابرات السابق مصطفى الكاظمي رئيساً للوزراء ومنح الثقة لحكومته التي استكمل تشكيلتها الوزارية الأسبوع الماضي، بعد فترة مخاض سياسي طويل استمرت عدة أشهر منذ استقالة رئيس الحكومة السابق عادل عبدالمهدي في ديسمبر الماضي تحت وطأة الاحتجاجات الشعبية، وهي مرحلة نأمل ويأمل الجميع، أن تكون بداية لمسيرة استعادة العراق لاستقلالية قراره السياسي، وإخراجه من دائرة النفوذ الإيراني ومن سطوة الميليشيات المسلحة، وإبعاده عن دائرة التنافس الأمريكي- الإيراني.

لا شك في أن التحديات التي تواجه حكومة الكاظمي ليست بالقليلة، بالنظر إلى الظروف المحلية والإقليمية والدولية التي تشكلت فيها. فهذه الحكومة جاءت بعد احتجاجات شعبية حاشدة على تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وانتشار الفساد والطائفية، ومن ثم فهي مطالبة باتخاذ إجراءات عاجلة لتحسين الأوضاع المعيشية للمواطنين. كما ترافق تشكيل الحكومة مع انتشار وباء كورونا المستجد الذي فرض تحدياته الاقتصادية والصحية الكبيرة على معظم دول العالم، ومن بينها العراق، وهو الأمر الذي يفرض أعباء إضافية عليها، ولاسيما في ظل تراجع مستوى الخدمات الصحية بصورة كبيرة في العراق، وتنامي المخاوف من تزايد انتشار الفيروس.  كما جاء تشكيل هذه الحكومة في ظل تنامي حدة الصراع الأمريكي- الإيراني على أرض العراق، والذي وصل ذروته باستهداف الميليشيات الموالية لإيران القوات الأمريكية والسفارة الأمريكية في العراق، ورد واشنطن على ذلك باغتيال قائد فيلق القدس قاسم سليماني في الأراضي العراقية أيضاً.

ولكن بالرغم من هذه التحديات الجسام، فإن الآمال أكبر في نجاح هذه الحكومة. وهذا التفاؤل تبرره العديد من العوامل والمؤشرات، لعل أولها وأهمها أن السيد مصطفى الكاظمي ليس محسوباً على قوى سياسية بعينها، وله علاقات مع مختلف مكونات الشعب العراقي، ويتبنى مواقف محايدة تجاه إيران والولايات المتحدة، وهذا يجعله أكثر قدرة مقارنة بمن سبقوه على اتخاذ القرارات باستقلالية كبيرة وبما يخدم مصالح العراق الوطني، فهو لا يدين بالولاء لإيران وميليشياتها المنتشرة على الساحة العراقية، وهذا أمر يتيح فرصة مهمة جداً لفك الارتباط غير المبرر بين العراق وإيران، والذي يأتي غالباً على حساب المصالح الوطنية العراقية.

العامل الثاني، أن هذه الحكومة تحظى بثقة حليفي العراق الرئيسيين، إيران (ولو ظاهرياً) والولايات المتحدة الأمريكية، وهذا الدعم من شأنه أن يتيح هامش أكبر لحكومة الكاظمي لتحقيق أهدافها الداخلية والخارجي،  ومن أمثلة ذلك مسارعة الولايات المتحدة، التي كانت قد تعاونت مع الكاظمي على نطاق واسع في مواجهة داعش والتنظيمات الإرهابية عندما كان رئيسياً للمخابرات، إلى تمديد إعفاء العراق من قيود استيراد الكهرباء والطاقة من إيران لمدة أربعة أشهر جديدة، ودخول الحكومتان العراقية والأمريكية في جلسة حوار استراتيجي أسفرت عن الاتفاق على تعزيز التعاون بين البلدين، مع تعهد واشنطن الاستمرار في تخفيض القوات الأمريكية في العراق خلال الأشهر المقبلة، كما تحظى هذه الحكومة بدعم واسع عربياً ودولياً، ولاسيما مع تأكيد الكاظمي المستمر على أولوية "سيادة العراق وأمنه واستقراره وازدهاره"، وذلك في إشارة واضحة إلى رفضه لاستمرار النفوذ الإيراني المتنامي على الساحة العراقية.

العامل الثالث الذي يبرر التفاؤل بهذه الحكومة هو تركيزها على الملف الأمني، وسعيها إلى تحقيق إصلاح أمني حقيقي يبعد العراق عن سطوة الميليشيات الشيعية المسلحة والتي يدين الكثير منها بالولاء لقوى خارج العراق، وهو ما يشكل أكبر تهديد لاستقلالية العراق وسيادته، ومن المؤشرات المشجعة هنا، تمسك الكاظمي بأن تكون أجهزة المخابرات وأركان الجيش ومكافحة الإرهاب تابعة له شخصياً، وهو ما يؤكد إصراره على إصلاح الملف الأمني، وإصدار رئيس "هيئة الحشد الشعبي" رسالة تتحدث عن إعادة تفعيل عملية "إصلاح الحشد"، وهو ما يعني أننا قد نكون بصدد إجراء عملية إصلاح أمني واسع بعد أن ضاق الشعب العراقي بسلوك الميليشيات الطائفية وانتهاكاتها المستمرة، ولكن عملية الإصلاح هذه يجب أن تكون واضحة وشفافة وضمن جهد أوسع لإصلاح الأمن القومي يبعده عن أي اختراق خارجي، ولاسيما من قبل إيران وعملائها.

مهمة حكومة مصطفى الكاظمي في استعادة العراق وقراره الوطني المستقل ووضع البلاد على طريق التنمية والاستقرار مجدداً أمرٌ ليس بالهين وليس مفروشاً بالورود، ولاسيما بعد أن أعلن الكاظمي نفسه الأسبوع الماضي تلقيه تقارير أمنية تفيد بوجود مخطط لاغتياله خلال زيارته إلى مدينة الموصل، ومع ذلك فإن الآمال المعقودة على هذه الحكومة كبيرة في أن تكون هي سبيل العراق لاستعادة أمنه واستقراره واستقلاله.