أخر الاخبار

الثورة اللبنانية 2019... أسبابها ومصيرها

2019-10-22 22:55:31




الكاتب: وليد فارس


في عام 2005 كان متوقعاً نشوب ثورة وطنية عمادها الشعب اللبناني، خصوصاً بعد صدور القرار 1559 في سبتمبر(أيلول) 2004، وترسخت القناعة مع اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

لكن الثورة اللبنانية الحالية التي اندلعت منذ أيام في جميع المناطق لم تكشف عن أسرارها في الأسابيع الماضية ولم يتمكن أحد من التنبؤ باندلاعها على هذا الشكل وبهذا الحجم، فالمراقبون وأنا واحد منهم، كانوا قد اعتقدوا أن هكذا ثورة كان يمكن أن تنفجر في السنوات السبع التي تلت الثورة الأولى 2005 أو بعد أحداث مايو(أيار) 2008 عندما اجتاح حزب الله الجبل وبيروت.

السياسيون اللبنانيون الذين قادوا ثورة الأرز كانوا قد دخلوا منذ اتفاق الدوحة في اتفاق مع الحزب المؤيد لإيران، ما أسهم في إضعاف إمكان نشوب أي ثورة جديدة نظراً لقدرة هؤلاء الزعماء على إسكات قواعدهم وتجميد أي تحرك، وهذا ما رسم معالم الستاتيكو الجديد الذي بدأ 2008 وتطور مع انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية.

وبعد انطلاق مرحلة تطويع اللبنانيين قسراً، كان الغليان يسري في صفوف الشعب من دون أن يتمكن من فعل أي شيء للسطوة المفروضة من قبل السياسيين عليه والتقسيمات المذهبية والطائفية، وهذه التجربة تدفع إلى طرح سؤال أساسي في هذه الفترة عن الأسباب التي أدت إلى ظهور الثورة الأخيرة الخارجة عن سيطرة الطبقة السياسية المتحكمة بكل شيء.

يرتبط السبب الأول بالتطورات الخطيرة التي عصفت بالمنطقة ولا سيما بعد انفجار ما عرف بالربيع العربي 2011 وكنت قد ربطت جذور الربيع العربي بثورتين على الأقل، ثورة الأرز في لبنان 2005 التي قدمت مثالاً للشعوب العربية عن كيفية التخلص من القمع، والثورة الخضراء في إيران عام 2009. الثورتان السريعتان أسهمتا في تحريك المجتمعات المدنية فانفجرت ثورات تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن ولكن القوى الراديكالية المنتشرة في هذه الدول انقضت عليها وبعد ذلك أخذت كل دولة تواجه التطرف للتخلص منه وفق صيغة مقبولة.

كان لكل بلد تاريخه الخاص في مواجهة التطرف والعودة إلى صيغة مقبولة للتخلص منه، أما في دول أخرى كالسعودية فنجحت الإصلاحات المتسارعة التي يقودها الأمير محمد بن سلمان في توصيل السفينة إلى بر الأمان من دون مواجهة داخلية.

اللبنانيون ولا سيما الشباب منهم الذين كانوا في سن صغير عام 2005، راقبوا التطورات التي عصفت بالمنطقة وكسبوا خبرة كبيرة وتعلموا من أخطاء الآخرين، ولعبت التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً كبيراً في خروج الثورة الحالية، وأدى الاستخدام المكثّف للوسائط التكنولوجية إلى إيصال صوت الثورة إلى الرأيين الداخلي والعالمي بسرعة قياسة.

ومن الأسباب أيضاً، اتفاق الدوحة الذي تخلى من خلاله الزعماء عن مقاومتهم لحزب الله مقابل بدائل ومنافع اقتصادية ومالية، إذ مكّنهم الحزب من الاستفادة مالياً واجتماعياً على حساب الطبقة الوسطى وذوي الدخل المحدود مقابل الصمت عن سلاحه، وينغي الإشارة إلى أن الأوضاع المالية عام 2005 لم تكن بالسوء التي هي عليه الآن، فالطبقة السياسية الحالية استشرست في تحقيق المنافع على حساب الشعب الذي شعر بثقل غير مسبوق لا يمكنه تحمله، وعلى الناحية الأخرى ينظر اللبنانيون غير القادرين على الهجرة إلى الراحة والبحبوحة التي تعيشها الجاليات في الخارج، من دون وجود أي أفق للحل.

أضف إلى تلك الأسباب تصرفات حزب الله منذ 2011 وحتى الآن وانفلاشه داخلياً وخارجياً واستضعاف الطوائف الأخرى مما عمق من شعور اللبنانيين بالقهر، ومع العقوبات الأميركية عليه وشح موارده خرجت أصوات تشير إلى أن قدرته على السيطرة خف وهجها.

الأسباب مجتمعة تؤكد أن الثورة الحالية غير تقليدية فهي لا تخضع لأي حزب أو تحالف أو شخصيات سياسية، والأهم أنها ليست مظاهرة شاملة منظمة في مكان واحد، إنما تظاهرات تفجرت في كل المدن اللبنانية من طرابلس ثاني أكبر مدينة في لبنان ومركز الثقل السني في الشمال حتى الجنوب حيث العمق الشيعي في صور والنبطية وبلدات أخرى، الأمر الذي دفع بميليشيات حزب الله وحركة أمل لمحاولة قمعها. هذا الحراك بعث برسائل إلى الداخل اللبناني والمجتمع الدولي أن هناك معارضة لإيران داخل البيئة الشيعية، وتضاعفت أيضاً المشاركة السنية المسيحية.