أخر الاخبار

الانتحار.. سم يتجرعه بعض الأحوازيون للهروب من جحيم الاحتلال

2020-07-04 04:08:12




الكاتب: شيماء القاضي

لا يختلف أحد على أن الانتحار سلوك غير مقبول بين المجتمعات العربية ولا الغربية وبالأخص المجتمعات الإسلامية، وإذا نظرنا إلى صاحب القضية لوجدناه مذنبًا في حق نفسه وأعائلته ومحبيه، وفيما يخص الشعب العربي الأحوازي، إذا نظرنا إلى الدوافع لوجدنا المذنب الأكبر والمجرم الحقيقي وهو الاحتلال الفارسي وما يمارسه من جرائم وقهر وظلم وتجويع وتنكيل في حق أبناء الشعب الأحوازي، وفي الحقيقة هو المذنب الأكبر في حق أبناء الشعب الأحوازي وفي حق قوانين حقوق الإنسان وفي حق القوانين والأعراف الدولية.

ويمارس الاحتلال الفارسي سياسة عنصرية فى مواجهة دولة الأحواز العربية المُحتلة وشعبها الأبي، وتشهد دولة الأحواز العربية المحتلة  من إيران الصفوية، في الآونة الأخيرة إحتجاجات عديدة ينظمها العمال المطالبين بحقوقهم المسلوبة احتجاجاً على التمييز العنصري في توظيفهم فضلاً عن التسريحات العمالية وجلب المستوطنين الفرس وتسكينهم مكان الاحوازيين في الشركات العملاقة.

فكيف يمكنُ احتمالُ العيشِ، إذا كان سيفُ العجزِ وقِلَّةُ الحيلة، مُسّلَّطانِ على رقابِ الأحوازيين ، في حياتِهم اليومية، والتي تزيدُ ظروفُ الاحتلالِ الفارسيِّ، وعنصريتِهِ ضدَّ العربِ، من تعقيداتِها، بحيثُ يحصلُ المحتلُ على كلِّ شيء، ولا يتركُ للأحوازيينَ أيَّ شيء.

حادثةُ الانتحارِ التي هزّتْ مجتمعَ قريةِ الشُّكريّاتِ التابعةِ لمدينةِ الخلفية، تخفي حكايةَ امرأةٍ وجدتْ نفسَها في مهبِّ الريحِ، مع أربعةِ أطفالٍ، تصارعُ الحياةَ لثلاثِ سنواتٍ، بعد وفاةِ زوجِها، وهي تُجاهدُ لتذليلِ الصعوباتِ، باحثةً عن عملٍ، بجسدِها الضعيفِ الذي كان يتعايشُ معَ مرضٍ مُزمن.

دونَ أدنى شكّ، وصولُ حالةِ ذهبِ الحُميدّي، إلى حدِّ اتخاذِ قرارِ الانتحارِ، أمرٌ يصعبُ تَخيُّلُه، لِمَن لم يَذُقْ مرارةَ العيشِ ممزوجةً بجرعاتٍ يوميّةٍ من الإحباطِ والخيبةِ واليأس، فحينَ تدورُ عجلةُ الأيامِ، لتطحنَ معها، تلك الأمُّ التي لم تجدْ في بيتِها رغيفَ خبزٍ، تسدُّ به رمقَ أطفالِها، وهي تتلقى منهم نظراتِ الحرمانِ والبؤسِ، دون أن تجدَ من يُعينُها على مشقَّةِ الحياة، في ظلِّ احتلالٍ يسلُبُ كلَّ شيء، ولا يتعرفُ على أيِّ مسؤوليةٍ مقابلَ ما ينهبُهُ من خيراتِ الأحوازيين.

في الأحواز، حيثُ تعومُ الأرضُ على بركةٍ من النفطِ والغازِ، يجوعُ الأحوازيونَ ويفقد بعضُهم القدرةَ على احتمالِ التهميشِ والخيباتِ المتتالية، فيختارونَ إنهاءَ حياةٍ لم يعرفوا من خيرِها شيئا، حيثُ دائرةُ الحرمانِ تطوِّقُ أعناقَهم منذُ الصغرِ، حتى الهجعةِ الأخيرةِ في اللَّحد.

قبلَ يومينَ حاولَ شابانِ أحوازيانِ الانتحارَ في مدينةِ شَيبانِ، فتمكّنَ محمدُ البالغُ من العمرِ اثنينِ وثلاثينَ عاماً، من تحقيقِ مقصَدِه، فيما فشلَ حسينُ البالغُ من العمرِ اثنينِ وعشرين عاما، من وضعِ حدٍّ لحياتِه بالانتحار.

وكانت مدينةُ عبادانِ على موعدٍ قبلَ أيامٍ مع انتحارِ شابٍّ جامعيٍّ، في حادثٍ لم يزلْ ماثلاً في أذهانِ عائلتِه وأصدقائِهِ وأهلِ مدينتِه.

حوادثُ الانتحارِ المتلاحقةِ تعكسُ حالةً رهيبةً من اليأسِ والقنوطِ عندَ عددٍ كبيرٍ من الأحوازيينَ، الذينَ تعبوا من ممارساتِ الاحتلالِ وخططِهِ الخبيثةِ لتهجيرِهم، ودفعِهم إلى أَتونِ التَّهلُكة، فمنِ انتحارِ بعضِ العمالِ الذينَ لم يحصلوا على رواتِبِهم منذُ شهور، إلى انتحارِ معلمٍ متقاعدٍ في أبو شهر، مروراً بحوادثِ الانتحارِ غرقاً، والتي تركتْ ظلّا مقيتاً ، ما يزالُ يخيِّمُ في فضاءِ مدنِ وقرى الأحواز، كلُّها حوادثُ يمكنُ أن نقيسَ من خلالِها درجةَ اليأسِ التي وصلَ إليها الأحوازيون، وهم يحاولونَ الاستمرارَ والصمودَ في وجهِ عدوٍّ لا يرحمُ، ولا يتركُ رحمةَ اللهِ تنزلُ بالعباد.

ولكن، وبرغمِ كلِّ خططِ ومشاريعِ الاحتلالِ الفارسيّ، لا يجبُ أن يفقدَ الأحوازيونَ أملَهم بالغدِ المشرقِ، مهما طالَ زمنُ العتمةِ والظلام، فالثورةُ الجزائريةُ اندلعتْ بعد قرابةِ مئةٍ وثلاثينَ عاماً من استيطانِ الفرنسيينَ، واستعمالِ كافّةِ أشكالِ القهرِ والقمعِ والاستبداد، وفي النهاية، وضعَ الشعبُ مصيرَهُ على المِحك، وأعلنَ ثورةً في وجهِ قوّةٍ عُظمى، وهو لا يمتلكُ من السلاحِ ما يُعينُهُ على إزاحةِ جيشِ الاحتلالِ الفرنسيّ، رغمَ هذا، تسلّحَ الشعبُ بإرادتِه، وأدركَ أن لا سبيلَ للعيشِ الحرِّ الكريمِ إلا بمقاومةِ الاحتلالِ، وكفِّ يدِهِ عن رقابِ الشعب.

وكما نجحتْ ثورةُ شعبٍ عربيٍّ شقيق، في الجزائر، ضدّ قوةٍ عظمى كفرنسا، فإنّ نجاحَ الأحوازيينَ في كنسِ الفرسِ عن ديارِ العربِ، قادمٌ لا محالة، ولا سبيلَ إلا في قذفِ كُرةِ اليأسِ والإحباطِ إلى الأعداءِ، بدلاً من القيامِ بالانتحارِ هرباً من الاستحقاقِ الذي تفرضُهُ ظروفُ الأحوازيينَ، بالوصولِ إلى حقوقِهم، انتزاعاُ وليس منَّةً أو هبةً من أحد.

وتأتي تلك السياسات العنصرية من قبل الاحتلال بحق الكادحين الاحوازيين أكثر وضوحاً، ومن ضمن الأسباب الحقيقية، سياسة دعم الفرس على أرض الاحواز ونهب الفقراء والاستنزاف المنظم لثروات الأحوازيين، الاحتكارات، التفاوت الطبقي الكبير، الظلم الإجتماعي والممارسات العنصرية واستمراراً لسياسات التغيير الديمغرافي الأحوازي، بحيث نزح عدد كبير من الشعب الأحوازي إلى المحافظات الفارسية بحثاً عن لقمة العيش.